حماس: ثورة المظلومين ليست معركتها - نوفمبر 2008

打印
ترجمة

حماس: ثورة المظلومين ليست معركتها

من أسبوعية النضال العمالي – 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، العدد 2886.

اعتبر العديد من بين شعوب الدول العربية وخارجها عملية طوفان الأقصى التي شنتها حماس في 7 تشرين الأول (أكتوبر) نصرا تاريخيا. وبرغم الفظائع التي ارتكبتها، اكتسبت حماس شعبية متزايدة.

ففي مواجهة دولة إسرائيل، المحمية من قبل القوى الإمبريالية، والتي قامت بطرد واضطهاد شعبا بأكمله وارتكبت المجازر دون أي عقاب، شعر الكثيرون في العالم العربي بأن العملية قد انتقمت لهم. ومع الحرب الجديدة في غزة ورغبة إسرائيل المعلنة في القضاء على حماس، تمكن هذا الحزب، وهو فرع فلسطيني من جماعة الإخوان المسلمين، من استعادة صورته المشوهة بعد سبعة عشر عاما في السلطة في قطاع غزة.

 

على رأس دولة صغيرة...

قررت إسرائيل إخلاء قطاع غزة في عام 2005. وفي العام التالي، فازت حماس بالانتخابات هناك، مستفيدة من فشل اتفاقيات أوسلو وتشويه سمعة منظمة التحرير الفلسطينية وفتح. وقام الزعماء الغربيون، الذين لم يرغبوا في الاعتراف بنجاح المنظمة التي صنفوها على أنها إرهابية، بدفع حركة فتح إلى التشكيك في التصويت. ثم دار صراع دموي بين ميليشيات المنظمتين المتنافستين، وأدى ذلك إلى طرد فتح من قطاع غزة في عام 2007.

فوجدت حماس نفسها على رأس دويلة، بإدارتها وضرائبها وأجهزتها العسكرية والقمعية. ولكي تتمكن من دفع رواتب موظفيها الحكوميين والقيام بدورها في الحفاظ على النظام في غزة، جاءت الأموال من قطر وإيران لتمويلها، وحصل ذلك بموافقة إسرائيل التي وجدت في هذا الدعم مصلحة لها. فنتنياهو قد أعلن في عام 2019، وبسخرية “كل من يريد إحباط إنشاء دولة فلسطينية عليه أن يدعم سياستنا الرامية إلى تعزيز حماس وتحويل الأموال إليها. هذا جزء من استراتيجيتنا: عزل الفلسطينيين في غزة عن أولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية”.

وإذا كانت إسرائيل والقوى الإمبريالية قد قدمت حماس دائما على أنها العدو الذي يجب هزيمته، فإنها لم تتوقف أبدا، وراء الكواليس، عن إقامة علاقات مباشرة أو غير مباشرة معها. أما سكان غزة فقد أصيبوا بخيبة أمل. فقد واجهوا صعوبات يومية مرتبطة بالحصار الاقتصادي والعسكري الدائم، والحروب المتعددة، والبطالة التي تؤثر على 50٪ من السكان، وكذلك انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميا وشحة المياه الصالحة للشرب والضرائب اللامتناهية.

وحتى لو كان سكان غزة يعتبرون إسرائيل ومصر هم المسؤولين عن الحصار، فإن انتقاداتهم لم تكن تحيد حماس. فقادة حماس المحكمين السيطرة على اقتصاد القطاع يقومون بفرض ضرائب باهظة على جميع الأنشطة، من تصاريح البناء وأيضا الأعمال غير الرسمية والسجائر، وصولا في كثير من الأحيان إلى سندات الكفالة بعد الاعتقالات التعسفية. فانتقد الكثيرون فساد مسؤولي حماس الذين يبدو أنهم لم يكونوا يعانون من نقص في الكهرباء.

 

...ضد الجماهير الشعبية

ويعيش السكان تحت مراقبة عملاء حماس الذين يتجولون بملابس مدنية، ويطلق عليهم اسم "زنانة" نسبة إلى طائرات المراقبة التابعة للجيش الإسرائيلي التي تحلق فوق غزة. ومع ذلك، ظهرت الاحتجاجات في عدة مناسبات في السنوات الأخيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وفي مارس/آذار 2019، انتشر هاشتاج "#بدنا نعيش"، وشارك آلاف الشباب، على مدى ثلاثة أيام، بالحراك ضد الضرائب والفقر. وقد سمحت حماس في البداية بحدوث هذه المظاهرات، معتقدة أنها لن تكون موجهة إلا ضد إسرائيل وفتح، ذلك قبل أن تكتشف أنها أيضا هدف المتظاهرين، فقامت بقمعهم بعنف.

وعلى مدار ما يقرب من العشرين عاما، سمحت حالة الحرب الدائمة بين إسرائيل وغزة لحماس بترسيخ قوتها وإسكات كل معارضة لها. وكانت هذه أيضا فرصة لتجيير الانتفاضات التي هبت والاستفادة منها، لا سيما في ربيع عام 2021، عندما أدى اقتحام القوات الإسرائيلية للمسجد الأقصى في القدس إلى إطلاق انتفاضة قسم كبير من الشبان. وقد انضم الشباب العرب الإسرائيليون إلى شباب الأحياء المحتلة في القدس الشرقية وإلى شباب مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، وذلك لأول مرة على هذا النطاق. لكن حماس، بتدخلها عبر شن هجمات صاروخية على إسرائيل، قد قامت بفرض مواجهة عسكرية ساهمت بخنق هذه الانتفاضة الشبابية، بينما قامت إسرائيل بقصف غزة مرة أخرى. وفي إسرائيل أيضا تم قمع الاحتجاج المتزايد للشباب العرب الإسرائيليين ضد المضايقات التي كانت تطالهم.

إن سياسات حماس لا تخدم مصالح الجماهير المضطهدة في المنطقة. وسكان غزة يدفعون ثمنا باهظا لمناوراتهم المستخفة بحياتهم. فعملية 7 أكتوبر/تشرين الأول قد قادت إلى حمام الدم الذي أودى بحياة الآلاف من المدنيين، ومن الواضح أن قادة حماس كانوا يعلمون أن عملية كتلك ستؤدي إلى رد إسرائيلي من شأنه أن يحول غزة إلى ساحة خراب. إن منطق حماس الحربي وواجهتها الراديكالية يهدف إلى تأكيد نفسها كالممثل الحصري للفلسطينيين وترسيخ نفسها باعتبارها المحاور الوحيد مع القوى العظمى وإسرائيل، وذلك مهما كان الثمن الذي يدفعه السكان. وحماس لا تريد أن تكون تعبيرا عن ثورة الجماهير المضطهدة، وهي في الواقع تخشاها. لكن الثورة هي الذي بإمكانها فتح مستقبل للشعب الفلسطيني، إذا ما امتدت إلى باقي شعوب المنطقة وسعت إلى الإطاحة بالنظام الإمبريالي الذي، باستخدام جميع الانقسامات الدينية والقومية والسياسية، يجر الشعوب إلى الهمجية والصراعات التي لا نهاية لها.