مقتطف من خطاب ناتالي أرتو: في الجزائر والسودان، رفعت الشعوب رؤوسها - حزيران / يوينو 2019

إطبع
دعوة إلى احتفالنا القادم في 30 و31 أيار/مايو و1 حزيران/يونيو 2020

في الجزائر والسودان، رفعت الشعوب رؤوسها

لكن، كما نرى في الجزائر وفي السودان، لا يزال الناس والمظلومون قادرين على التفاني لخوض معارك كبيرة.

ليست قدرة الجماهير الكفاحية وقدرتها على المبادرة ما ينقص اليوم في هذين البلدين. فالتجرؤ على تحدي الدكتاتورية في الجزائر قد استلزم شجاعة كبيرة، فهذه الدكتاتورية العسكرية قد أثبتت خلال السنوات السوداء أنها بلا رحمة وأنها لا تتردد لارتكاب المذابح. وتوفرت الشجاعة أيضا في السودان لوقوف الشعب بوجه عمر البشير الذي كان قد نشر الرعب في البلاد على مر عقود!

إن ما حدث في الأشهر الأخيرة في هذين البلدين يدل على أنه لا بد من أن يأتي يوما يصبح حس الثورة فيه أقوى من الخوف، وتصبح شجاعة وجسارة البعض تشجع الآخرين وتقود المئات والآلاف والملايين للتجرؤ على فعل ما لم نكن نتخيله قبل بضعة أيام!

ولدى قراءة التقارير القليلة المكتوبة حول الاعتصام الضخم الذي تم عقده قبل أسابيع أمام مقر القوات المسلحة في الخرطوم، لا يمكننا إلا الانذهال أمام السرعة التي ظهرت فيها هذه المبادرات.

ففي غضون شهر ونصف، حول المتمردون هذا المكان إلى مقر ثوري. فأحضروا الماء والكهرباء والمراحيض وأقاموا مطبخ جماعي غرف للنوم. كما تم تنظيم عمليات التكافل وتم الاعتناء بأطفال الشوارع... فقضى آلاف النساء والرجال أياما وليال يتناقشون في السياسة وفي الديمقراطية وفي العلاقات بين النساء والرجال وفي الإضراب العام...

ولكن خلال هذا الوقت، كانت السلطة العسكرية تستعد للقمع، وذلك بدعم من حلفائها الإقليميين كمصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، ومن دون شك مع تواطؤ القوى العظمى.

ومنذ أسبوع، إنهال القمع العنيف على مدينة الخرطوم موقعا أكثر من 100 قتيل و500 جريح، والأعداد تزداد باستمرار مع الجثث التي تكتشف في النيل وقد ألقي أصحابها في النهر مقيدي الأيدي والكثير منهم بعد أن تم تعذيبه.

والخرطوم اليوم محاصرة من قبل قوات الأمن المدججة بالسلاح والميليشيات التابعة للجيش. وتذكر ضراوة هذه القوات ضراوة جميع الطبقات الحاكمة المدافعة عن امتيازاتها: ضراوة ثيار (Thiers) التي أدت إلى مذبحة كومونة باريس، وكذلك خلال الثورة الصينية عام 1927 حيث تم حرق العمال في القاطرات وأقرب منا زمنيا قمع بينوشيه في تشيلي.

ما يحدث في الخرطوم هو تحذير دموي لجميع الناس الذين يرفعون رؤوسهم. وهو يأتي بعد ما حصل في مصر حيث تمكن الجنرال السيسي من كسر الغليان الشعبي. وهذا التحذير قد صاغه قبل بضعة أسابيع مفكر مصري عندما خاطب أهل الخرطوم المتمردين قائلا: "إن نصف ثورة هو عبارة عن انتحار كامل. فلا تدعوا الجيش يصادر ثمار معركتكم."

سوف يخبرنا المستقبل ما إذا سوف تتعافى حركة الاحتجاج في السودان من هذا القمع. لكن النتيجة هي رهينة قدرة الجماهير الثائرة على مواجهة الجيش وتحويل ثورتهم إلى ثورة.

لا يمكن للمتضهدين الثائرين الاتكال على تفهم مضطهديهم ولا حتى على شفقتهم. يمكن في سياقات معينة أن تقود ديناميكية الصراع الطبقي المضطهدين إلى إيجاد وسيلة للدفاع عن أنفسهم وأن يجدون تلقائيا طريقة لكسر قوى القمع من خلال جذب جزء من القوات المسلحة إلى جانبها ولا سيما عبر جعل جنود الصف، المنبثقين إجمالا من الطبقات المضطهدة، يقفون ضد قائدي الجهاز العسكري وتسلسله الهرمي. أي من خلال إدخال الصراع الطبقي إلى الجيش نفسه.

لا يمكن للجماهير المتمردة التغلب إلا إذا كان لديها الإرادة التصميم على ذلك. وهذا يعود إلى عدة عوامل، بدءا من عمق التمرد ومدى راديكالية الجماهير. لكن وجود حزب ثوري من شأنه أن يلعب دورا حاسما في ذلك. أي الحزب الذي يقدر ناشطوه تمرين الجماهير على كيفية الدفاع عن أنفسها. حزب ونشطاء قادرون على نقل تجارب الماضي، وأولا وقبل كل شيء، الحاجة إلى أن تمنح الجماهير نفسها كل الوسائل، بما في ذلك العسكرية، للسيطرة على مضطهديها. حزب ونشطاء قادرون على فهم ونقل هذا الدرس العظيم الذي استخلصه بلانكي من ثورة يونيو 1848 في فرنسا: "كل من لديه حديد لديه خبز. ينحنون أمام الحراب، لكنهم ينكلون بالحشود المعدومة للسلاح."

في العديد من البلدان، وبشكل خاص في السنوات الأخيرة في جزء من العالم العربي، برهنت الجماهير عن قوتها وكذلك عن حيويتها. إن ما يحدث في الجزائر والسودان يجب أن يعزز من تصميمنا على القيام بكل ما يعود علينا في سبيل التقدم في طريق تأسيس حزب شيوعي ثوري أينما كنا.