برنامج الأممية الرابعة : سبعون عام بعد صدوره - 2008

Imprimer
ترجمة

ترجم عن الصراع الطبقي رقم 115، أكتؤبر- تشرين الأول ام (2008)

في ٣ أيلول ١٩٣٨، في بلدة بارينيي Périgny الصغيرة في جوار باريس، اجتمع حوالي العشرون مندوبا في منزل Alfred Rosmer (واحد من أولئك الذين دافعوا بقوة في فرنسا عن الأفكار الأممية البروليتارية خلال حرب 1914-18)، لعقد مؤتمر إعلان ولادة الأممية الرابعة. الغائب الأكبر عن هذا الاجتماع كان الذي وراء فكرة حدوثه والذي كتب البرنامج الذي تم اعتماده، "برنامج المرحلة الانتقالية". ذلك الغائب هو ليون تروتسكي، حيث لم يكن لديه الإمكانية لمغادرة المكسيك، البلد الوحيد الذي وافق على استضافته.

وكان تروتسكي يدافع منذ أكثر من خمس سنوات عن ضرورة إنشاء أممية جديدة. فحتى العام 1933، كان اليسار ألأممي المعارض يناضل في سبيل تصحيح ثوري داخل الأممية الشيوعية و أقسامها في مختلف البلدان. ولكن انهيار الحزب الشيوعي الألماني دون قتال قبالة وصول النازيين للسلطة، بالإضافة إلى موافقة اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية السياسة الانتحارية لهذا الحزب، ذلك دون إثارة أية ردود فعل تذكر لدى مختلف الإدارات داخل الحزب، حمل ذلك تروتسكي إلى تغيير توجهه، فكاتب حينها "إن منظمة لا يوقظها رعد الفاشية هي منظمة ميتة، ولا يمكن إعادتها إلى الحياة."

كانت الظروف التي أحاطت العمل الشاق لبناء الأممية الجديدة مختلفة جدا عن تلك التي سادت حين إنشاء أسلافها. فالأممية الاشتراكية ولدت في فترة توسع للحركة العمالية خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. وبعد انهيارها في آب / أغسطس 1914، تولت الأممية الشيوعية القيادة في وقت كانت فيه الثورة الروسية تثير آمال المقهورين في شتى أنحاء العالم. ولكن بعد عام 1933، جاء تأسيس الأممية الجديدة في فترة من الرجعية العميقة تميزت بانتصار البيروقراطية الستالينية في الاتحاد السوفياتي، وبانتصار النازيين في ألمانيا.

فالوثبة العمالية في فرنسا عام 1936 فلم تكن إلا وثبة فعليا. حيث سرعان ما استعادت البرجوازية الفرنسية، بالتواطؤ مع الجبهة الشعبية، معظم ما تنازلت عنه مرغمة أمام إضرابات يونيو 1936.

وردة فعل البروليتاريا في اسبانيا التي ألحقت انقلاب جنرالات فرانكوا في يوليو 1936 بالفشل، فإنها وضعت السلطة بيد أحزاب اشتراكية وشيوعية مهرت بفعل ما يثبت جدارتها لنيل ثقة للبرجوازية. ثم جاءت أحداث مايو 1937 في برشلونة لتقرع ناقوس آخر أمل في حدوث ثورة اجتماعية.

عشية صراع عالمي جديد.

تسارعت المسيرة نحو الحرب. فاعتبارا من عام 1933، أظهر وصول هتلر إلى السلطة أن البرجوازية الألمانية مصممة على فرض إعادة النظر، ولو بالقوة، بمعاهدة فرساي التي فرضت عليها. فإذ شكل إعادة تسليح ألمانيا، وإعادة الخدمة العسكرية وإعادة الجنود إلى بلاد الرينانين عام 1935، تأكيدا على هذا التوجه. كما شكل ضم النمسا، في مارس 1938، المرحلة الأولى من توسع ألمانيا النازية. وإنه تحديدا بسبب اقتراب الحرب بخطى كبيرة أراد تروتسكي نصب علم الأممية الرابعة.

إن قلة عدد المشاركين في مؤتمر بارينيي "Périgny" لدليل على قلة مؤيدي الأممية الجديدة. إذ أنه كان من الصعب بالنسبة لأكثرية الناشطين خارج نطاق الإتحاد السوفياتي، فهم النقاشات التي هزت الحزب البلشفي ابتداء من عام 1923. وابتداء من عام 1928 على وجه الخصوص، مع التوجه اليساري للأممية الشيوعية عند شجبها الكلي للحزب الديمقراطي-الاجتماعي الألماني عبر تقديمه على أنه "الشقيق التوأم" للفاشية، إضافة إلى شعارات مثل "طبقة ضد طبقة"، كل ذلك شكل غطاءا أخفى عن أعين الأكثرية الطابع الرجعي للبيروقراطية الستالينية.

وعندما أدارت الأممية الشيوعية دفة السفينة في عام 1935، وبدأت تشيد بالجبهات الشعبية، ما يعني الوحدة ليس فقط مع للأحزاب الديمقراطية-الاجتماعية، ولكن مع الأحزاب البورجوازية "اليسارية"، لتبرير دعم الأحزاب الشيوعية للحكومات البرجوازية (كما في فرنسا)، وحتى المشاركة الوزارية (كما هو الحال في إسبانيا) ، رأى معظم الناشطين في هذا تصحيحا لتجاوزات الفترة السابقة. إذ أنه لم يعد لديهم بوصلة سياسية، فقبلوا، دون الكثير من التعليق، الإلتحاق بشعار "الدفاع الوطني" إلى جانب المارسياز "la Marseillaise " والعلم الفرنسي.

الشعبة الوحيدة من اليسار الأممي المعارض التي شكلت قوة حقيقية، سواء من الناحية العددية أومن ناحية الخبرة السياسية التي تمثلها، كانت في الاتحاد السوفياتي، رغم أن القمع والترحيل جعلا وجودها غير فعلي. ثم جاءت السنوات 1936، 1937، و 1938 لتشهد الإبادة الجسدية لمعظم هؤلاء المناضلين. و ليست محاكمات موسكو إلا غيض من فيض الاغتيالات التي نالت البعض من القادة المشهورين أبان الثورة، والذين انهاروا تحت الضغوط والتعذيب. لكن من تبقى من الآلاف من المناضلين خلال سنين الحرب الأهلية أو من الأجيال الشابة الذين كانوا يتقاسمون الأفكار من المعارضة اليسارية، فإبادتهم قد تمت بشكل سري.

انتشرت أعمال عنف ستالين خارج الاتحاد السوفياتي أيضا. كان كل الناشطين التروتسكيين في عرضة هذا العنف، لكن العدد الأكبر من الضحايا كان بين المقربين من تروتسكي. اروين وولف Erwin Wolf، وهو سكرتير سابق لتروتسكي في منفاه في النرويج، ثم أمين لجنة الأممية الرابعة اختفى في اسبانيا بعد أيام من مايو 1937. رودولف كلمينتKlement Rudolf ، سكرتير تروتسكي في برنكيبوPrinkipo، والذي منذ ذلك الحين ما انفك يقدم له، من باريس، "مساعدة كبيرة" على حد قول تروتسكي، وتوفي في تموز / يوليو من ذلك العام. وأخيرا، ليون سيدوفLeon Sedov ، ابن تروتسكي وأقرب معاونيه، قتل على يدا لغيبيو Guépéou في شباط / فبراير 1938.

أهمية البرنامج.

بالنسبة لتروتسكي، شكل إعلان الأممية الرابعة في سنة 1938 وسيلة لعرض برنامج واضح تحضيرا للسنوات الصعبة التي تنتظر الحركة العمالية. وهدف تروتسكي لم يكن القسمة السياسية، حيث أنه كان دائما على استعداد للتعاون مع سائر التيارات الثورية. ولكن مسألة البرنامج الذي ينبغي أن يحمله التيار اليساري الأممي المعارض كان ذات أهمية قصوى.

هذا البرنامج، الذي يرمي إلى إنشاء جسر بين النضال اليومي للعمال وسيطرة البروليتاريا على السلطة، وحده تروتسكي كان قادرا على كتابته. ليس فقط بسبب موهبته، ولكن أيضا لأنه لا ينطلق فقط من خبرة مجموعات صغيرة، بل من خبرة الأممية الثانية التي ناضل ضمنها، و خبرة الأممية الثالثة حيث كان واحدا من قادتها، بما ضمت من أحزاب عمالية كبيرة، وذات النطاق التي شمل جميع مجالات العمل السياسي، من النضال اليومي إلى الصراع على السلطة. فقد كان إلى جانب لينين في قيادة الحزب البلشفي عام 1917، في فترة نضوج الثورة الروسية والاستيلاء على السلطة، ولعب دورا حاسما أيضا في ولادة واستمرار الأممية الشيوعية أبان مؤتمراتها الأربعة الأول.

الاتحاد السوفياتي : الدفاع عن المكتسبات

حدد تروتسكي على شكل برنامج سياسة الأممية الشيوعية في الأعوام 1919 حتى 1923 في الدول الصناعية وفي الدول المستعمرة بشكل كلي أو بشكل جزئي. كما حدد أيضا ما يجب أن تكون مهمة الثوريين في البلدان التي تعيش الطبقة العمالية فيها تحت وطأة أنظمة فاشية أو ديكتاتوريات عسكرية، وأيضا كيفية تعاطي هؤلاء مع البيروقراطية الستالينية التي بلغت أوجها مع محاكمات موسكو. بالنسبة لتروتسكي، يجب على الثوريين الدمج في سياستهم بين الكفاح دون مساومة ضد البيروقراطية في سبيل ثورة سياسية تعيد الحكم إلى السوفيات، والدفاع عن كل التحولات الاجتماعية التي أتاحت ثورة أكتوبر لحدوثها.

لم يكن لدى تروتسكي أي وهم بالنسبة للاتجاه الذي اتخذه أغلبية البيروقراطيين. إذ كتب في برنامج المرحلة الانتقالية : "القضاء على جيل البلاشفة القديم وممثلي الثورة في الجيلين الوسطي والحديث قد زاد في زعزعة التوازن السياسي في مصلحة الجناح اليميني، البرجوازي، للبيروقراطية وحلفائها في البلد. ومن المحتمل جدا أن يأتي هذا اليمين، في مستقبل قريب، بمحاولات تزداد تصميما على إعادة النظر في النظام الاجتماعي للإتحاد السوفياتي، عبر تقريبه من الحضارة الغربية" (...)"

سبعون عاما بعدها، تبقى الطريقة التي يطرح بها تروتسكي مسألة الدفاع عن مكتسبات الثورة مليئة بالدروس. إذ أن "الثورة المخانة" لا تشكل الشرح الوحيد الصحيح لانحطاط الإتحاد السوفياتي فحسب، حيث شكل " برنامج المرحلة الانتقالية"، في الوقت الذي تخلت فيه البيروقراطية عن أصولها وبدأت تحتفل بمحاسن الملكية الخاصة (بالنسبة لها)، الشكل الوحيد لتحديد مهام البلوريتاريا في حال بدأ بالكفاح، أي الكفاح إلى عودة الديمقراطية إلى المجالس العمالية والدفاع عن الملكية العامة وعن سياسة التخطيط في الإنتاج.

فانتهت البيروقراطية بخلع لباسها الشيوعي الذي تنكرت به مطولا إلى درجة أنها أعادت تكريس نقولا الثانيNicolas II، ذلك الذي أطلق لينين عليه لقب "نقولا الشانق". وقام أصحاب المليارات، المكونة من الجزء الأكبر من حطام الملكية العامة، بالإظهار عن تقاليد الأغنياء الجدد في القصور على صعيد العالم كله. وما زالت روسيا تعتبر كجسم غريب في العالم الرأسمالي، فإنه ليس من الممكن تحديد مهام البلوريتاريا الروسي في حال بدأ النضال إلا عبر انتهاج برنامج تروتسكي.

إن الأزمة المالية التي تهز العالم منذ صيف 2007 (مع الإشارات التي أنبأت بحدوثها) هي البرهان الفاضح عن فراغ وفشل مقولة أن السوق يشكل أفضل منظم ممكن الاقتصاد، وأن الأزمات الاقتصادية والصراع الطبقي هما من أسر الماضي.

فالصراع الطبقي تمارسه البرجوازية من دون رحمة. فإنها تتعدى، في جميع الدول الصناعية وفي الأكثرية الساحقة من الدول النامية، على المستوى المعيشي للعاملين، حيث تقوم بزيادة أرباحها عبر تضئيل القسم من الدخل القومي العائد إلى الموظفين.

ففي هذا الوقت الذي أودى فيه التملك المتفاقم لرأس المال المالي على الاقتصاد بالعالم نحو هذه الأزمة التي، حسب مقولة رئيس الحكومة الفرنسية ذاته، تجر بالعالم "إلى حافة الهاوية"، تشكل أسس" برنامج المرحلة الانتقالية " واقعية حية.

سلم الأجور المتحرك للدفاع عن القدرة الشرائية المتآكلة بسبب تضخم الأسعار. السلم المتحرك لساعات العمل لمواجهة المأساة الاجتماعية التي تشكلها البطالة، وتفاقم ساعات العمل الجزئية المفروضة على العمال، والوظائف الهشة. وبما أن هذا ليس ببرنامج انتخابي متعلق بالنية الحسنة للبرلمان، بل بأهداف أمام العمال المناضلين، فذلك يوجب تحركهم في سبيل فرض رقابة العمال على الشركات، وفي سبيل إلغاء السرية المصرفية والسرية التجارية التي من دونها تكون المراقبة من دون جدوى.

إضافة إلى ذلك مبدأ نزع الملكية للمصارف الخاصة و تأميم نظام الائتمان لوضع حد لهيمنة رأس المال المالي.

هذه الشعارات التي كانت في صلب برنامج المرحلة الانتقالية، هل يمكن اليوم لأحد الإدعاء بأنها بالية ؟

مطالب ديمقراطية ومطالب اشتراكية :

الفصل من البرنامج الانتقالي المخصص ل"البلدان المتخلفة" هو حالي أيضا. فرغم انهيار الامبراطوريات الاستعمارية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا تزال القوى الإمبريالية الكبرى تنهب مستعمراتها السابقة بلا خجل... أو تلك التي لمنافسيهم. ويعاني سكان معظم هذه البلدان من جراء الدكتاتوريات العسكرية التي عادة ما تكون أدوات في يد القوى الإمبريالية الكبرى. فإن طرح مشكلة العلاقة بين المطالب الديمقراطية وصراع العمال من أجل السلطة هو ذاته كما في روسيا عام 1905 أو في الصين عام 1927.

فأخذ المطالب الديمقراطية بعين الاعتبار ينطوي على الدفاع عن أي عمل تقوم به الدولة، في هذه البلدان، في سبيل تخفيف قبضة الامبريالية، لكن ذلك حتما من دون الاصطفاف وراء الاتجاهات القومية للبورجوازية، ومن دون التخلي أبدا عن الكفاح من أجل الاستقلال السياسي للبروليتاريا، لأنه "عاجلا أم آجلا"، كتب تروتسكي، "على السوفيات إسقاط البرجوازية الديمقراطية. فهو وحده القادر على قيادة الثورة الديمقراطية حتى النهاية وبالتالي فتح الباب أمام عصر الثورة الاجتماعية ".

كما طرح البرنامج الانتقالي مسألة الربط بين المطالب الديمقراطية والمطالب الاشتراكية في البلدان الفاشية. ذلك ليس بأمر مطروح حاليا. ولكن من يستطيع أن يقسم، في سياق الأزمة الاقتصادية الراهنة، وفي حالة انهيار أكبر المنظمات التي تدعي الدفاع عن العمال، على أن المشكلة لن تطرح أبدا في المستقبل ؟

الأممية الرابعة بعد تروتسكي :

في زمن تروتسكي، أثار قرار الإعلان عن وجود الأممية الرابعة الكثير من التحفظات، وحتى بعض الاختلافات المعلنة، في صفوف الجماعات التي كانت على توافق معه. في أسبانيا، لحقت الأكثرية في "اليسار الشيوعي في أسبانيا" (ICE) بأندراس نين Andrès Nin في سياسته الاندماجية مع "كتلة العمال والفلاحين" لتشكيل ال POUM الحزب الذي، أمام المواجهات في عام 1936 انضم إلى الجبهة الشعبية في انتخابات شباط / فبراير، مقدما، بعد ستة أشهر، وزيرا للعدل للحكومة البرجوازية في كاتالونيا. وفي فرنسا، كان توجه جزء كبير من الناشطين التروتسكيين، عام 1935، بإتباع بيار لو غران Pierre le Grand وريمون مولينية Raymond Molinier نحو تأسيس "تكتل الجماهير" بهدف تجميع مختلف الناشطين على أساس اتفاق سياسي يقتصر على بضع نقاط، ما معناه : من دون برنامج فعلي. فكانت "الكمونة"، و"كتل الفعل الثوري" التي لم تدم طويلا، ولكنها برهنت بذلك عن أهمية وجوب اتخاذ برنامج ثوري واضح.

المشكلة تكمن في أنه، خارج نطاق الاتحاد السوفياتي، شكل المفكرون معظم من انضموا إلى المعارضة اليسارية الدولية. وذلك بصورة خاصة في فرنسا التي، في تاريخها الحديث، احتلت مكانة هامة في اهتمامات تروتسكي. فإن القيادة الستالينية قد أوجدت فجوة أخلاقية فعلية، وصعبة العبور، بينهم وبين القاعدة العمالية في الحزب الشيوعي الفرنسي. وفي المقابل، بقيت الاتصالات أسهل بكثير مع الديمقراطية الاجتماعية التي كانت لا تزال تطلق على نفسها "ثورية" بالكلام، والتي انطلق منها العديد من الناشطين التروتسكيين الشبان، خاصة بعد عام 1935. وقد حافظ العديد منهم على روابطهم مع هذا المحيط الذي لا يشكل مدرسة سياسية جيدة.

لكن تروتسكي كان يأمل أن مع التقلبات التي سوف تسببها الحرب القادمة، سيؤدي ذلك إلى تعزيز الأممية الرابعة ويؤدي بها إلى قيادة الصراعات للثورية الكبيرة، كما كان الأمر بالأممية الثالثة، عشرون عاما قبلها. لكن للأسف، لم يحدث شيء من ذلك.

إن وطأة الظروف الموضوعية تشرح إلى حد كبير سبب عدم لعب المنظمات التروتسكية أي دور حاسم، مع عدم وجود حركات الثورية بروليتارية. فالتحالف المقدس بين الإمبرياليين الحلفاء والبيروقراطية السوفياتية ابتداء من عام 1941، في سبيل تجنب أن تؤدي هذه الحرب إلى انفجار الثورة في البلدان الصناعية، كان فعالا. وقد حجب ما سمي "الحملة الصليبية للديمقراطيات ضد الفاشية" عن عيون الجماهير الطابع الامبريالي للحرب العالمية الثانية، وذلك إلى حد كبير. وإذا كانت الحرب قد أدت إلى بعض الهزات الثورية، فإن هذه لم تمس إلا بلاد الشرق المستعمرة وشبه المستعمرة، حيث انعدام وجود أية قيادة بروليتارية ترك كامل الحرية للقيادات البرجوازية الصغيرة لترؤس التحركات الجماعية وللارتفاع إلى السلطة.

علاوة على ذلك، فإنه كان على الناشطين التروتسكيين مواجهة الستالينية العصابية التي لم تتردد باللجوء إلى القتل.

ولكن الظروف الخارجية لا تشرح الإفلاس السياسي للغالبية العظمى من الجماعات التي كانت تدعي إتباع الأممية الرابعة. فمن الأسباب الأخرى هو تكوين أغلبية شعبات الأممية من ناشطين من البورجوازية صغيرة. الأمر الذي، رغم وعي تروتسكي لمخاطره و تشديده، خلال مداخلاته حول أزمة ال SWP عام 1939-1940، على أهمية انضمام ناشطين من بين العمال، أثره السلبي على التوجه السياسي لهذه الشعبات.

ذلك بدأ في فرنسا إبان الاحتلال الألماني والانهيار العسكري في أيار/مايو إلى يونيو 1940، حيث مد بعض التروتسكيين بيد المساعدة إلى "البورجوازية الفرنسية المفكرة". واستمر ذلك بتبعية شبه دائمة تجاه جميع التيارات الفكرية التي تمر بالبرجوازية الصغيرة. وهكذا نالت معظم دول "الديمقراطيات الشعبية" صفة "دول عمالية ممسوخة" لدى معظم المنظمات التروتسكية، الأمر الذي أعطى للبيروقراطية السوفياتية صفة ثورية، رغم كل ما فعلته عند انتهاء الحرب في سبيل لجم البلوريتاريا. وكذلك بالنسبة للصين حيال نظام ماو تسي تونغ الذي استغل الثورة الفلاحية في سبيل الوصول إلى السلطة، دون أي تدخل من جانب الطبقة العاملة. إضافة إلى القائمة الطويلة للحركات القومية التي قدمت كحركات "اشتراكية"، في يوغوسلافيا ، والهند الصينية والجزائر وكوبا وفيتنام ونيكاراغوا، على سبيل المثال لا الحصر.

إذ أن الأممية الرابعة في الواقع، بوصفها منظمة تهدف إلى توجيه قتال الطبقة العاملة في سبيل الثورة الاشتراكية في العالم، لم تقاوم صدمة الحرب العالمية الثانية. وبموت تروتسكي، كانت قد فقدت بوصلتها السياسية.

ومن الواضح أن هذا لم يمنع عدد من قادة المجموعات التي تدعي التروتسكية، وكثيرا منهم من بين الذين عارضوا تروتسكي قبل مماته، إعلان إدارتهم للأممية. ولأن لم يكن لأحد السلطة السياسية المعترف بها من قبل الحركة بأكملها، تضاعفت الانقسامات على مر السنين، حتى أصبح من الصعب تكوين صورة كاملة لجميع الفئات التي، بشكل أو بآخر، تعلن بانتمائها إلى "الأممية الرابعة".

واقع الحال لبرنامج الأممية الرابعة :

ولكن إذا كان لا بد من تشييد أممية البروليتاريا، فلا يزال برنامج عام 1938 دون مرادف بالنسبة لأولئك الذين اضطلعوا بهذه المهمة. لأنه إذا كان العالم قد تغير بعمق خلال سبعين سنة، تبقى المسائل السياسية هي ذاتها، على الأقل بالنسبة لأولئك الذين اختاروا تكريس نشاطهم السياسي في الدفاع عن سياسة للبروليتاريا.

ترجم عن مقالة مكتوبة بالفرنسية في المجلة الشهرية الصراع الطبقي الصادرة عن الاتحاد الشيوعي العالمي (التروتسكي)، طباعة منظمة النضال العمالي، رقم 115، أكتؤبر عام 2008.

Lutte de Classe , édité par Lutte Ouvrière, n° 115, octobre 2008.