هنغاريا: اكتوبر 1956، انتفاضة شعبية بمشاركة عمالية كبيرة - 2006

Εκτύπωση
ترجمة

الاربعاء 25 أكتوبر 2006

بقلم: أسبوعية النضال العمالي

كانت وفاة ستالين والصراع بين الطامعين في خلافته بموسكو قد أفسحت في المجال للنزاعات في قمة الاحزاب الشيوعيةالحاكمة بالديمقراطيات الشعبية .

وتبلورت التناقضات في بلغاريا حول شخصيتين، من جهة راكوزي، الديكتاتور الحاكم، الذي كان يحظى بحماية ستالين، ومن جهة اخرى ناجي الذي عين وزيرا اولا في يونيو 1953، وأجبر على الاستقالة في ابريل 1955، وأصبح من جراء ذلك زعيم المعارضة في الحزب وخارجه.

كان ناجي قد وجد مرتكزات بين المثقفين، الذين باتوا يلقون صعوبة متعاظمة في تحمل ديكتاتورية راكوزي المطلقة. وكانت حلقة بيتوفي Petöfi، التي أسسها مثقفون شباب من الحزب الشيوعي، بؤرة التقاء كل التواقين إلى إصلاح الحزب والدولة، وتعزيز الطابع الديمقراطي لاشتغالهما، وبوجه خاص زيادة استقلالهما عن البيروقراطية السوفياتية. وخلال العام 1956، وبوجه خاص بتاثير المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي وتنديد خروتشوف بستالين، طال الغليان حلقات أوسع فأوسع من الحزب وبلغ الطلاب.

انطلق النداء الى التظاهر يوم 23 اكتوبر من الكليات بدعم من حلقة بيتوفي. و تمثل هدف المظاهرة في ازاحة كلية لجماعة راكوزي، وتعيين ناجي على رأس الحكومة، لكن ايضا سحب الجيش السوفياتي، وتنظيم انتخابات ديمقراطية بمشاركة أحزاب متعددة وحرية الصحافة والرأي.

كانت الأمور تسير كما كان يشتهي المصلحون بالحزب الشيوعي. وكانوا يستمدون تشجيعا من تطور مماثل يجري في الآن ذاته في بولونيا، وأفضى إلى عودة غومولكا المعتبر كذلك مصلحا هناك الى السلطة. وكان تطور الوضع يبدو متوازيا في البلدين. كما كانت مظاهرة 23 اكتوبر في بودابيست، علاوة على أهدافها، مظاهرة تعاطف مع التغييرات الجارية في بولونيا.

الانتفاضة

لكن الجماهير ستتدخل على نحو عنيف في عملية الاصلاحات الحكيمة والهادئة. وعلى نحو مباغث ومفزع للمصلحين أنفسهم تحولت مظاهرة 23 اكتوبر الى انتفاضة .

انضمت وحدات عمالية قادمة من الضواحي الصناعية الى المظاهرة. وبينما كان آلاف المتظاهرين يطيحون ثمثال ستالين الضخم في ساحة الأبطال، ساحة استعراضات النظام الضخمة، ويفككونه ( ستة اطنان ونصف من البرونز)، تدفق آخرون الى مبنى الاذاعة لقراءة مطالبهم على امواج الراديو. وقامت الشرطة السياسة التي تحرس المبنى باطلاق نار الاسلحة الرشاشة، وسقطت اولى ضحايا ذلك اليوم. راج الخبر في المدينة فتدفق المتظاهرون باعداد متنامية. لكن جنود الشاحنة العسكرية التي ارسلت لنجدة الشرطة السياسية، والتي أوحلت بين الحشود، بدؤوا يسلمون أسلحتهم للمتظاهرين. لم تبق المظاهرة سلمية بل أصبحت انتفاضة تتسلح.

في ليلة 23-24 اكتوبر انتشرت الثورة في العاصمة. ثم اندلعت في باقي المدن، وذاب الجيش الهنغاري في خضم الحريق. تفككت الوحدات وفتحت التكنات وانضم الجنود الى الانتفاضة واعطوا أسلحتهم للمنتفضين. تداولت لجنة الحزب المركزية طوال الليل وقررت تعيين ناجي لتشكيل حكومة جديدة، وفي الآن ذاته استدعاء القوات السوفياتية باسم هذه الحكومة.

وفي الرابعة من صباح يوم 24 اكتوبر اجتاحت المدرعات السوفياتية العاصمة. وفي نفس اليوم توقفت المصانع، وكان الاضراب عاما، وتشكلت أولى الميليشيات في المقاولات، وغادر آلاف العمال الضواحي راجلين أو على متن الشاحنات للالتحاق بمعارك وسط المدينة. ورغم تكرار نداءات الحكومة الجديدة إلى المنتفضين بإلقاء السلاح اشتدت المعارك، واستولى العمال على الاسلحة أينما وجدوها، في مفوضيات الشرطة وفي التكنات المهجورة الى هذا الحد او ذاك، او بكل بساطة في معامل صنعها. وأعاد الشباب منهم اختراع قنابل كوكتيل مولوتوف التي كانت شديدة الفعالية ضد الدبابات الروسية التي تدخل الشوارع الضيقة.

لم يكن هذا التدخل الاول للجيش الروسي المرابط بالبلد كافيا لقهر الانتفاضة لأن العديد من الجنود الروس أنفسهم تأثروا بالمنتفضين الذين كانوا يحيطون بالدبابات الروسية فاتحين أيديهم لإظهار أنهم عمال وليسوا من ذوي الامتيازات الهارعين من الغرب، كما أشاع جهاز دعاية موسكو الستاليني في باريس ( أبان الحزب الشيوعي الفرنسي وجريدته لومانيتيه عن حقارة خاصة في تلفيق هكذا اكاذيب).

وازاء مشاهد التآخي بين الجنود والمنتفضين اعتقد قادة موسكو انه من الحكمة، في فترة اولى، سحب القوات.

وتسارعت الاحداث السياسية خلال الايام الاثني عشر الفاصلة بين انفجار الانتفاضة والتدخل السوفياتي الثاني . رخصت حكومة ناجي للاحزاب قبل اعلان انسحاب البلد من حلف فارسوفيا.

وكما هو حال كل حقبة انتفاضة، حيث تتصدع السلطة، ظهرت قوى سياسية عديدة، بدءا من تلك التي تنتقد الحزب الشيوعي من منطلقات شيوعية او اشتراكية وصولا الى اقصى اليمين. لكن المجالس العمالية تشكلت بعيدا عن البرلمان، حيث بدأت المناورات السياسوية من اجل التركيبات الوزارية المقبلة، وبعيد عن وسط المدينة، المكان الوحيد الذي يغطيه الصحتفيون الغربيون.

كان أول تلك المجالس، ببودابيست بالاقل، المنتخب يوم 24 اكتوبر من قبل زهاء 4000 عامل بمصنع المعدات الكهربائية Egyesült Izzo قد أعلن أن :"المجلس العمالي لمصنع Egyesült Izzo استلم إدارة المقاولة". وانتشرت المبادرة في الاحياء العمالية بالعاصمة وبمدن Csepel و Ujpest و Köbanya .

لم تقتصر مطالب المجالس العمالية على رفع الاجور والغاء العمل بالقطعة وحملات المباراة الستاخنوفية.

كانت المجالس العمالية تعتبر نفسها ادارات للمصانع، وتطرد المسيرين المبغضين اكثر وتعين آخرين. وكانت تبرز سعيها الى تنظيم الاقتصاد لانتاج مزيد من مواد الاستهلاك. وكانت في الآن ذاته تعلن رفضها لاي عودة للرأسمالية، وكل خصخصة للمقاولات، وكل عودة الى النظام الرجعي السابق.

وكانت العديد من المناشير والصحف المحلية منبرا لازدهار حقيقي للكتابات بعد سنوات لم يوجد بها غير الادب الكئيب المادح للنظام وقادته، وكات الصيغ عديدة والافاق المرسومة مبهمة. كانت الطبقة العاملة المعبأة، عديمة القيادة السياسة، بلا حزب، تسعى بحمية الى ايجاد طريقها.

رغم نداآت حكومة ناجي المتكررة لم يسلم احد الاسلحة التي ظفر بها اثناء الانتفاضة.

وحلت المجالس العمالية بالعديد من مدن الأقاليم، بشكل طبيعي، مكان السلطات المطاح بها او المختفية، مضطلعة بمشاكل المواطنين، لا سيما تموينهم. وكانت تلك المجالس هي من يقيم الصلة بالقيادة الروسية محليا.

و لم تكن المجالس العمالية، ولا العمال بوجه عام، مع ممارستها للسلطة الفلعية، ترى من أفق سياسي آخر للبلد، بعد خروج القوات السوفياتية، غير توطيد حكومة ناجي.

هنا كمنت الحدود السياسية للثورة.

لكن الوضع كان موسوما بالنزاع رغم ان العمال كانوا يدعمون حكومة ناجي بسبب غياب خيار آخر. وان لم تجد الحكومة صعوبة في تبني مطلب المحتجين المجمع عليه المتمثل في انسحاب جيش الاحتلال، فلم يكن بوسعها قبول ادعاء المجالس العمالية تسيير المصانع وحتى الاقتصاد برمته. كما لم يكن قابلا للتصور أن تتعايش الميليشيات العمالية غير المؤطرة من الدولة مع الجيش والشرطة الرسميين اللذين سعت الحكومة الى اعادة تشكيلهما باسرع ما يمكن حول العقيد السامي Maléter الذي كان نال شعبية كبيرة بانضمام وحدته إلى المنتفضين.

من جهة العمال كان مجرد تكاثر المجالس العمالية ورفض تسليم السلاح يشهدان على حذر غريزي.

لم تصل العلاقات بين الحكومة والجماهير المسلحة الى درجة صراع مفتوح. ولم تترك البروقراطية السوفيتية للاحداث وقتا تنضج فيه. وخلافا لبولونيا، حيث ترك قادة موسكو وبمقدمتهم خروتشوف لغوميلكا والدولة البولونية امر ارجاع النظام الى البيت، اختاروا في هنغاريا التدخل المباشر.

الاجتياح

بينما كانت موسكو تتظاهر بالشروع في التفاوض حول كيفيات سحب قواتها من هنغاريا، تخطت وحدات عسكرية أخرى الحدود منذ 1 نوفمبر وطوقت المطارات.

و في الصباح الباكر ليوم 4 نوفمبر تدخل جيش من 000 200 جندي، وصل أغلبهم حديثا من الاتحاد السوفياتي، معززين ب2000 دبابة وبالطيران، في بودابيست وأغلب المدن الكبرى بالاقاليم. ادعى قادة موسكو انهم تدخلوا بطلب من حكومة جديدة، شكلها جانوس كادار المعين حديثا أمينا عاما للحزب الشيوعي والعضو بحكومة ناجي. كان قادة البيروقراطية السوفياتية يحسون أنهم طليقو الأيدي بقدر ما كانت القوات الاسرائيلية شنت قبل اربعة أيام، يوم 30 أكتوبر، وبمساعدة الطيران الفرنسي والبريطاني، هجوما ضد مصر المتهمة بتأميم قناة السويس.

ولم يكن لدى القوى الامبريالية، التي سجلت برضى ما كلفه للاتحاد السوفيتي تدخله ضد انتفاضة عمالية من فقد للاعتبار الأخلاقي، أي رغبة بالتدخل في الأمر. لم ينتج ذلك عن مجرد احترام لقسمة العالم الى كتلين، حيث يترك كل طرف للآخر أمر الحفاظ على النظام في معسكره. بل لأن انتفاضة عمالية كانت، رغم نقص وعيها بذاتها وبامكاناتها، مثالا سيئا. كانت القوى الكبرى بالغة الابتهاج بترك قوات البيروقراطية تنجر العمل القذر.

و رغم كثافة التدخل، وتفوق القوات الروسية في بلد هو فضلا على ذلك غير مناسب لحرب الغوار، تواصلت المعارك أكثر من أسبوع وبشكل مشتت مدة أطول. وانه لمميز ان تكون المقاومة اشد في مدن الاقاليم وفي احياء بودابيست حيث كانت المقاولات مركزة.

ومما بدا مفارقة انه فقط بعد انهزام الانتفاضة عسكريا اتخذت الاضرابات العمالية اندفاعة جديدة بل وعززت المجالس العمالية دورها. ويوم 14 نوفمبر أسس مجموع المجالس العمالية بالعاصمة المجلس العمالي المركزي لبودابيست. وتصرف هذا المجلس، بوجه حكومة كادار الدمية، كناطق باسم مجموع العمال وحتى السكان برمتهم.

لكن غياب التموين، والجوع، وبرد شتاء قاس على نحو خاص، تغلبوا على تعبئة العمال. وكان لمجلس عمال بودابيست المركزي ارادة الدعوة الى ايام اضراب عام جديدة يومي 11 و 12 ديسمبر بعد ستة اسابيع من تدخل الجيش السوفياتي. لكن هذا الاضراب العام، المنفذ على نطاق واسع، كان الأخير( رغم أن إضرابات مشتتة تواصلت حتى يناير 1957)

وفي اليوم ذاته قررت الحكومة حل مجلس عمال بودابيست. وأعتقل اعضاؤه وسجن بعضهم لسنوات مديدة. وكان القمع الذي أعقب شديدا. وبعد الاف قتلى حقبة الانتفاضة والمعارك ضد تدخل القوات الروسية، كان ثمة عشرات الاف الاعتقالات ولم يعرف بعد عدد الاعدامات. وتدفق الى النمسا 200 الف لاجئ.

لم تغفر البيروقراطية لم اعتبرتهم خانوها فاعدمت ناجي و ماليتر والعديد ممن معهم.

جورج كالدي

اسبوعية النضال العمالي

العدد 1994 * 20 اكتوبر2006

تعريب جريدة المناضل-ة