الشرق الأوسط: بين وحشية الجهاديين ووحشية الإمبريالية - نص مفصل - 2014

Imprimir
ترجمة

الشرق الأوسط: بين وحشية الجهاديين ووحشية الإمبريالية

حلقة ليون تروتسكي - باريس في 14 نوفمبر 2014

* * * * *

مرة أخرى، يتم تسليط الاضواء على منطقة الشرق الأوسط. فسكان هذه المنطقة هم ضحايا للجماعات المسلحة المسماة بالجهادية، وكذلك ضحية للمناورات التي تقوم بها القوى الامبريالية والدكتاتوريات التي تخدمهما.

في بداية شهر يونيو استحوذت ميليشيا الدولة إسلامية على الموصل، المدينة الثانية في العراق، وبثت الرعب بمهاجمتها بشراسة جميع الأقليات وجميع أولئك الذين رفضوا الانصياع لقوانينها. وجاءت التغطية الإعلامية الواسعة لذبح الدولة الإسلامية لصحفيين أمريكيين ولهينري جوردال في الجزائر، لتدفع بالولايات المتحدة وبفرنسا إلى شن حرب جديدة وعمليات قصف في العراق وسوريا.

إن عمليات قتل السياح الفرنسيين والصحفيين الأمريكيين هي أعمال وحشية. وزعماء حرب الدولة الاسلامية، الذين يطلقون على أنفسهم لقب "أمراء"، والذين ذبحوا الأقليات المسيحية في سوريا والأكراد في شمال العراق واليزيديين، هم ليسوا إلا وحوش. ولكن عمليات القصف الحالية، وإن تبعها عمليات أرضية أم لا، حتى لو أدت إلى تراجع مؤقت للدولة الإسلامية، وحتى لو انتهت باغتيال زعيمها، لن تؤدي إلى إزالة الهمجية. على العكس، فإنها سوف تزيد الفوضى والهمجية في المنطقة بأسرها.

ففي حين يغرق العراق في الفوضى والحرب بين الميليشيات الدينية والعرقية، لا يزال الشعب السوري، منذ أكثر من ثلاث سنوات، أسيرا بين مطرقة ديكتاتورية الأسد وسندان الميليشيات الجهادية.

الهمجية تعم في العراق وسوريا، ولكن أيضا في قطاع غزة، حيث تسبب القصف الإسرائيلي لمدة 50 يوما إلى أضرار لا مثيل لها منذ عام 1967، مخلفا أكثر من 2000 قتيل، بما في ذلك 500 طفل. وينبغي إضافة الوضع في اليمن، القابع منذ سنوات تحت وطىء المواجهات والهجمات بين الميليشيات المتناحرة. الحقيقة أن المنطقة برمتها مهددة بتوسع نطاق الفوضى إلى البلدان المجاورة مثل لبنان وربما الأردن.

إن مصادر التوتر هذه هي نتاج مباشر للهيمنة الإمبريالية التي، منذ قرن على الأقل، تفرض سيطرتها بالعنف وبقوة السلاح على المنطقة.

فالقادة الإمبرياليون أطلقوا حربا جديدة في8 أغسطس في العراق و22 سبتمبر في سوريا. ونجح أوباما بجمع ما يقارب الخمسين دولة في تحالف عسكري ضد زحف العصابات المسلحة المسماة ب"الدولة الإسلامية".

لا أحد يعرف كم من الوقت سوف تستغرق هذه العملية، ولكن ما نشهده اليوم هو زعزعة لاستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها يؤدي إلى تشرذمها على أسس دينية وعرقية. فبتدخلها العنيف في الشرق الأوسط، تتحمل القوى الامبريالية العظمى المسؤولية عن غرق المناطق التي تسيطر عليها في الهمجية.

الشرق الاوسط في عهد الامبراطورية العثمانية ضمن أطماع القوى الامبريالية

إنه في منطقة الشرق الأوسط هذه الواقعة تحت الحرب والخراب، وبالتحديد ضمن ما يسمى بمنطقة الهلال الخصيب، قد قامت الانسانية بتطوير الزراعة وإنشاء أولى الحضارات. وفي وديان نهري دجلة والفرات ظهرت قبل 5000 سنة، الكتابة وأولى الدول. وفي وقت لاحق، في العصور الوسطى، كانت دمشق وبغداد والقاهرة مركز حضارة شعت من إسبانيا إلى الهند.

وبعد تشتت وانهيار الإمبراطورية العربية، قامت الإمبراطورية العثمانية بإعادة توحيد هذه المنطقة في القرن السادس عشر. تماما كما الإمبراطوريات الذي سبقتها، كانت الإمبراطورية العثمانية متعددة الأديان والأعراق، وكان يحكمها السلطان في العاصمة اسطنبول. كان الإسلام الدين السائد لكن جميع الطوائف الحالية من السنة والشيعة مع كل متشعباتها كانت موجودة. والشعوب من جميع الأديان، الديانات السماوية في كل حال، من مسلمين ومسيحيين ويهود ويزيديين وغيرهم، كانوا يعيشون جنبا إلى جنب. إلا أن غير المسلمين كانوا يخضعون لضريبة خاصة. والعربية، لغة القرآن، كانت عاملا موحدا، ولكن اللغات التركية والكردية والبربرية كانت مستعملة أيضا.

كانت هناك عدة فترات من الاشتباكات الدينية والاضطهاد، ولكنها كانت نادرة. ففي نهاية المطاف، لقد تمكنت هذه المجتمعات من العيش سوية لعدة قرون ضمن نطاق الإمبراطورية العثمانية. وكان للجميع إمكانية التنقل بحرية من تونس إلى دمشق أو بغداد، دون عبور أية حدود.

الحرب العالمية الأولى وتقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية

في عام 1914، أدت المنافسات بين الدول الامبريالية إلى الحرب العالمية الأولى. وكانت السيطرة على الشرق الأوسط إحدى أهداف الصراع، الأمر الذي استوجب تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية، التي، في محاولة للتخلص من النفوذ البريطاني والفرنسي، وقفت إلى جانب ألمانيا.

وفي سبيل إضعافها، لم تتردد بريطانيا من إثارة المشاعر الوطنية للسكان العرب وكرههم للأتراك.

في سنوات ال1920s، وبعد أن استحوذت فرنسا وانكلترا على الشرق الأوسط، انتقلتا إلى عملية فرض قبول حكمهما على الشعوب الذين اعتباروا معاهدات تقاسم المنطقة خيانة لالتزامات هاتين الدولتين (أنظر الملحق في آخر الكتيب).

وفي سبيل فرض هيمنتها، وظفت القوى الإمبريالية كل الوسائل تحت شعار : فرق تسد. فقامت ليس فقط برسم الحدود الجغرافية للدول، بل أيضا بالعمل داخل الدول على تأليب المجموعات العرقية ضد بعضها البعض وتأجيج الانقسامات الطائفية. فوضعت بهذه الطريقة قنابل موقوتة لم تتوقف عن الاتفجار من حين لآخر طوال القرن العشرين، وحتى اليوم في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق.

وواجهت الهيمنة الإمبريالية ثورات كبيرة في جميع البلدان تقريبا. ففي العشرينيات والثلاثنيات تنامى الشعور القومي الشعبي في وجه الغطرسة وازدراء القوات الاحتلال.

ذلك ولم تكتفي القوى الإمبريالية بزرع الفتنة بين السكان وشن الحروب الدامية ضدهم، بل ذهبت إلى دعم وتشجيع القوى الأكثر رجعية. ففي مصر، كان البريطانيون ينظرون بإيجابية إزاء نشأة جماعة الإخوان المسلمين والتي كان هدفها فرض الشريعة الاسلامية كأساس للتنظيم السياسي والاجتماعي. وبموازاة ذلك، وبدعمها قيام الحكم الملكي في السعودية، قامت الإمبريالية بتحفيز أحد التيارات الأكثر رجعية في الإسلام، التيار الوهابي.

واقترن كل هذا مع الاهتمام المتزايد للقوى الامبريالية بالمنطقة. فعلاوة على الموقع الاستراتيجي الذي يتخذه الشرق الأوسط منذ فترة طويلة كنقطة عبور الزامية تجاه الشرق الاقصى، كالإمبراطورية الهندية بالنسبة لبريطانيا، جاء اكتشاف الثروة النفطية الضخمة ليضاعف هذا الاهتمام وليسيل لعاب رأس المال الغربي أمام الأرباح المؤتملة من وراء استغلال هذا المصدر للطاقة.

الحرب العالمية الثانية

وأبان الحرب العالمية الثانية، وبظرف خفوت هيمنتهما عالميا، تشبثت بريطانيا وفرنسا بوجودهما في الشرق الأوسط بمواجهة القوة المنافسة: الولايات المتحدة الأميركية. وفي ذلك الحين، كان قد تشكلت بروليتاريا كبيرة في العراق وسوريا ومصر، وكانت تتحلى بقدرة قتالية. وكان للأحزاب الشيوعية وجودا ضمن البلوريتاريا، واستفادت من هيبة الثورة الروسية ومن بعدها هيبة الاتحاد السوفياتي وانتصاراته العسكرية، ونشبت ثورات شعبية قبل الحرب وانضمت أعدادا كبيرة من المناضلين إلى هذه الاحزاب.

لكن الحقيقة أن ستالين، ومنذ وصوله على رأس الاتحاد السوفياتي، كان قد أدار ظهره للأفكار الشيوعية. فهدفه كان دعم الدول القابلة للتحالف مع الاتحاد السوفياتي وليس إسقاط الإمبريالية. وكذلك، لم يكن يحرص ستالين على مساعدة البروليتاريا في بلدان المنطقة للاستيلاء على السلطة، بل على العكس، فإنه قد طلب من مختلف الأحزاب الشيوعية العربية دعم القوى القومية البرجوازية والاصطفاف وراءها. وهكذا استخدمت الاحزاب التي بناها المناضلون الشيوعيون بشجاعة وصدق كسلم لوصول لضباط من الجيوش المصرية العراقية والسورية إلى السلطة، منتحلين صفة المدافعين عن الشعوب العربية.

بعد عام 1945، الإمبريالية الأمريكية المهيمنة في الشرق الأوسط تضطر للتعامل مع الأنظمة القومية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت الإمبريالية الأمريكية لفرض سياستها في الشرق الأوسط، وتزايد ذلك مع بداية الحرب الباردة إذ ترأست التكتل الغربي بوجه التكتل السوفياتي. فسعت من جهة للحؤول دون انضمام دول جديدة من إلى الكتلة السوفياتية، ومن جهة أخرى للتفوق على منافسيها الأوروبيين. لهذا فإنها لم تتردد بشأن التدخل سواء ضد دول المنطقة غير المنصاعة لها بما فيه الكفاية، وكذلك ضد منافسيها كبريطانيا وفرنسا.

كان هذا هو الحال في عام 1948، عندما أعطت الحكومة الأمريكية دعمها لإنشاء دولة إسرائيل ضد بريطانيا التي كانت تريد البقاء في فلسطين. وفي وقت لاحق، أصبحت اسرائيل الذراع العسكري للولايات المتحدة في المنطقة.

وعلى الرغم من هذا، تمكنت الأنظمة القومية، في الخمسينيات والستينيات، من النشوء بثبات في مصر والعراق وسوريا. وكان يطمح جزء من ضباط جيوش هذه الدول بتطوير وتحديث بلادهم. ففرضوا أنفسهم كقادة للحركة القومية. كما أدعى بعضهم تجسيد طموحات الشعب العربي فأخذوا على عاتقهم أيديولوجيا الوحدة العربية.

وكان عبد الناصر، الزعيم المصري، أكثر من جسد قوة هذه الحركة السياسية خلال هذه الفترة. ففي عام 1956 أطلق مرسوما بتأميم قناة السويس التي بنيت على دماء وعرق الشعب المصري والتي كانت لا تزال تحت سيطرة بريطانيا، فأثار آمالا هائلة لدى شعوب الدول العربية.

وكان للناصرية صدى في جميع أنحاء المنطقة فنشأت في العراق وسوريا أنظمة مستوحاة منها. ولكن جميع هذه الانظمة بقيت على أرضية القومية. فجميعها كانت تريد التنمية الوطنية ولكن ضمن النظام الاجتماعي البرجوازي حيث لم يكن مسموحا للعمال لا الاعتراض ولا التدخل في السياسة.

أنظمة تقدمية

ومقارنة مع الدول العربية الأخرى، كالنظام الملكي الأردني ودول الخليج، ظهرت هذه الانظمة على أنها تقدمية. فهم قد دافعوا عن شكل من أشكال العلمانية والحق في التعليم للسكان. وفي سوريا ومصر، تحسن مصير مئات الآلاف من الفلاحين مع الإصلاح الزراعي. كما تم تأميم القطاعات الرئيسية للاقتصاد كالبنوك والصناعات وتجارة الجملة. وأصبح القطاع العام القطاع الوظيفي الرئيسي. وتمكن الشعب من الاستفادة من بنية تحتية وخدمات في مجالي الصحة والتعليم.

في العراق، تمكن العمال بفضل نضالهم، من الحصول على بعض الحقوق بما يخص قانون العمل الذي نظم أسبوع العمل إلى 42 ساعة على سبيل المثال.

فضمن الأنظمة الاستبدادية هذه، شاهد الناس تحسنا في أوضاعهم. وكان أفضل للمرأة العربية العيش في العراق مقارنة مع المملكة العربية السعودية.

إن وجود هذه الأنظمة كان يرجع جزئيا إلى الدعم من قبل الاتحاد السوفياتي الذي قدم لها المساعدات المادية والعسكرية والفنية غير الضئيلة. وكانت الإمبريالية الأمريكية مجبورة على التعامل مع هذه الأنظمة، ليس فقط لأنها كانت مدعومة من قبل الاتحاد السوفياتي، ولكن أيضا لأنها كانت مدعومة شعبيا إلى حد ما وكان باسطاعتها التميز باستقلال نسبي. ومع ذلك، مارست الإمبريالية الأمريكية ضغطا دائما على هذه الأنظمة في سبيل إضعافها. وكان لحليفتها إسرائيل دورا كبيرا في خدمة هذه السياسية.

الحروب العربية الإسرائيلية

في عام 1967، شرع عبد الناصر لحصار ميناء إيلات، منفذ اسرائيل على البحر الأحمر: فكان ذلك ذريعة للهجوم الإسرائيلي الذي دمر معظم القوات العسكرية المصرية. خلال ستة أيام، احتلت اسرائيل أراضي قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وكذلك أيضا منطقة الجولان في سوريا.

سياسيا، شكلت حرب الستة الأيام نقطة تحول بالنسبة لإسرائيل. فحتى العام 1967، لم يكن مستبعدا التوصل إلى اتفاق بين الدول العربية وإسرائيل. فاليهود الماكثون في دولتهم الجديدة، والناجون من معسكرات الموت والهمجية النازية، كانوا يأملون إيجاد ملاذ آمن لهم في إسرائيل. وبذلك كان من مصلحتهم إيجاد تفاهم مع الشعوب العربية. ولكن مع حرب الستة الأيام هذه، خلقت إسرائيل حالة يصعب التراجع عنها بشكل متزايد. وهكذا، وبفعل انعزالها وسط الدول والشعوب العربية التي استعدأتها، يعود فضل بقاء دولة إسرائيل إلى حماية القوى الامبريالية بعد أن أصبحت حليفا متينا لهذه الدول.

وفي عام 1973، وقعت حرب أخرى بين إسرائيل والدول العربية. ومرة أخرى، تمكنت إسرائيل من الانتصار، ولو كان ذلك بصعوبة. وكان هذه الحروب المتتالية أدت إلى تشويه سمعة الأنظمة القومية بين الشعوب العربية التي أصيبت بالاحباط. فتبخر الأمل بنشوء جمهورية عربية توحد جميع الشعوب العربية بعد فشل محاولة قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا. بالحقيقة، القادة كانوا يلوحون بشعار الوحدة العربية بشكل غوغائي في سبيل الحصول على تأييد الشعوب العربية، لكنهم لم يكونوا قادرين على إقامة علاقات ديمقراطية فيما بينهم، وعلى قدر أقل مع شعوبهم.

الفلسطينيون، خميرة الثورة الاجتماعية

زعزعت الحروب العربية الإسرائيلية بشكل دائم التوازن الهش في المنطقة. فبعد عام 1967، لجأ مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين طردوا من الأراضي التي احتلها إسرائيل، إلى الدول العربية المجاورة، حيث تكدسوا في مخيمات مؤقتة. فأصبحوا بذلك خميرة للحراك الاجتماعي وشكلوا في السبعينيات قدرة ثورية كان بمقدورها ضم كل فقراء هذه المنطقة في صراع ليس فقط ضد دولة إسرائيل، ولكن ضد جميع الطبقات والديكتاتوريات الحاكمة في المنطقة. ولكنه لم يكن في نية قادة المنظمات الفلسطينية القيام بسياسة كهذه.

ذلك لم يمنع الحكام المستبدين في المنطقة من الشعور بالتهديد من قبل هؤلاء المتمردين الفقراء، المسيسين والمسلحين، والذين يعيشون بالتصاق مع فقراء بلادهم. ففي عام 1970، قام الملك حسين، ملك الأردن، خلال ما سمي لاحقا ب"أيلول الأسود"، بإرسال دباباته ضد مخيمات اللاجئين مما تسبب بسقوط آلاف القتلى في صفوف الفلسطينيين الذين كان يدعي الملك حسين الوثوف بجانبهم.

ثم في عام 1975 تم اشعال الحرب الأهلية في لبنان حيث تم استهداف الفلسطينيين على وجه الخصوص. واستمرت الحرب 14 عاما وادت إلى تمزق البلد بحسب الانقسامات الطائفية التي كان الاستعمار الفرنسي قد كرس وجودها في المؤسسات الرسمية.

في السبعينيات، تبخرت آمال وأوهام الستينيات لدى الجماهير العربية ليحل مكانها الخيبة والاحباط. فكانت تجربة الفقراء العرب المريرة: الانظمة التي كانوا يعتقدوها حليفة لهم والتي كانت تدعي مكافحة العدو الإسرائيلي ومعاداة الإمبريالية والتأييد للفلسطينيين، قامت بالنهاية بقمعهم وبشراسة تضاهي شراسة اسرائيل. ففي نهاية المطاف، لم يكن كلام الدول العربية عن القضية الفلسطينية وحتى عن العروبة سوى غوغاؤية في سبيل شراء شعبية بسهولة.

إن الطبقة العاملة في هذه البلدان قد أظهرت في مرات عدة عن قدرتها القتالية على الرغم من وجود أنظمة ديكتاتورية شرسة. لكنها لم تكن قادرة على تقديم بديل يقوم بتوحيد فقراء المنطقة ومحاربة كل من مستغليهم المحليين والإمبريالية. إن أحد الأسباب هو أن الحركة العمالية قد عانت من القمع الشرس. ولكن المسؤولية تقع أيضا على عاتق المنظمات السياسية نفسها، بدءا من الأحزاب الشيوعية، التي كانت قد التفت حول الأنظمة القومية بدلا من أن تقدم للعمال سياسة ثورية تجعل وزنهم يضاهي الأنظمة القومية، المتحالفة أو غير المتحالفة مع الإمبريالية.

بطبيعة الحال، كانت سياسة الاحزاب الشيوعية نتيجة للإرث الستاليني المسموم. فكان المناضلون الشيوعيين في مصر والعراق وسوريا يقتلون ويقبعون في سجون تلك الانظمة القومية المعومة من قبل قادة هذه الاحزاب، حتى وأن بعضهم قد استمروا بدعم هذه الأنظمة رغم قمعها لهم!

المجال يفتح أمام الإسلاميين

في أواخر السبعينيات فتحت صفحة جديدة شكل فيها الاسلاميون المعارضة الوحيدة بوجه الأنظمة المكروهة و الوحيدة القادرة على استقطاب السخط الشعبي. في الواقع، هذه القوى السياسية كانت قد بدأت بالعمل قبل تلك الفترة بكثير.

كانت التيارات الأصولية الإسلامية موجودة منذ فترة طويلة في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي بشكل عام. كان أشهرها تيار الإخوان المسلمين. فقد ولد هذه التيار في مصر عام 1928، وكان يطمح لتأسيس سلطة دينية معادية للأفكار الحديثة والعلمانية وخصوصا الشيوعية. وقال أحد زعمائها الروحيين، حسن البنا،: "لا يمكن لتنظيم اجتماعي أن يكون صالحا دون الإسلام، أي دون محاكم اسلامية ومدارس وحكومة تنفيذية اسلامية تقوم بتطبيق شرع الله". شرع الله هذا، أي الشريعة، يريد الإخوان المسلمون فرضه على سائر المجتمع، ولا سيما مسألة الأخلاق وخاصة ما يتعلق بالنساء.

وفي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من تواجدهم في المساجد وحولها، لم تمشي الجماهير المتطلعة لتحدي النظام القائم وحكم الإمبريالية وراء هؤلاء المتدينين الرجعيين، بل أن تطلعاتهم قد ذهبت إلى القوميين مثل عبد الناصر. لكن جماعة الإخوان المسلمين، بنشاطها في العديد من جوانب الحياة الاجتماعية مثل مساعدة المحتاجين، تمكنوا من الانتشار في كل الدول العربية، في العراق وسوريا وفلسطين.

في مصر، تلقى الإخوان المسلمون الدعم من المسؤولين الامريكيين بهدف وضع حد لنفوذ عبد الناصر وقوى اليسار، وخاصة الشيوعيين. هذا ما كشف عنه أحد قادة وكالة الاستخبارات المركزية في الشرق الأوسط في كتابه "لعبة الأمم".

وكان الإخوان المسلمون يتلقون الدعم أيضا من قبل دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية. فنظام هذا البلد يستند، منذ تأسيسه على ،الوهابية وهي من التيارات الدينية الأكثر رجعية حيث تدعو إلى إسلام تقليدي جدا. والمملكة السعودية،التي اغتنت بشكل كبير بفضل إيرادات النفط، كانت ترحب بكل سرور بجماعة الإخوان المسلمين في سوريا وفي مصر، خاصة وأنها كانت تتنافس مع هذه الدول القوية على المستوى الإقليمي. والإخوان المسلمون الذين مكثوا في المملكة العربية السعودية في الخمسينيات والستينيات شكلوا كوادر اسلامية لعبت دورا في تنمية هذا البلد الذي كان في خضم تطوره، خاصة في مجال التعليم. كما ساهموا بتدريب الأئمة الوهابيين في سبيل نشر الأصولية في أوساط الشباب السعوديين والمهاجرين إلى المملكة.

إسرائيل تدعم الاسلامين

في فلسطين، تقدم إسرائيل اليوم حماس على أنه أسوأ عدو لها. ولكن إسرائيل كان لها دور في نمو هذا التيار الاسلامي. فبعد عام 1967 واحتلالها للضفة الغربية ولغزة ولمرتفعات الجولان، رأى القادة الاسرئيلون فائدة من تنامي نفوذ الإسلاميين بأمل الحد من تأثير الأحزاب القومية العلمانية و"اليسار" التي كانت تسيطر على الشهد في غزة. فجميع الوسائل كانت مستباحة في سبيل القضاء على هذه الاحزاب.

فعندما قام الشيخ حسين، ممثل إحدى الجمعيات الإسلامية بالاتصال بالإسرائيليين قائلا "لدينا نفس العدو. أنا ضد شاربي الويسكي. أريد أن أكرس نفسي للدين وللشؤون الاجتماعية، افسحوا لي المجال للقيام بهذا". رد عليه أحد ممثلي الدولة الاسرائيلية "إن أعداء عدوي ليسوا بالضرورة أصدقائي، ولكنني أدعمهم". وهكذا كان لأحمد ياسين، الذي قام لاحقا بتأسيس حركة حماس، السيطرة على المساجد، والحرية المطلقة في السيطرة على الجوامع والمراكز الاجتماعية والعيادات وحدائق الأطفال. فاكتسب نفوذا في الأراضي الفلسطينية، في غزة والضفة الغربية، حيث قام بتجنيد العديد من الناشطين. وأذن الإسرائيليون للمملكة العربية السعودية وللولايات المتحدة بتوفير الأموال له. وبفضل الدعم المالي السعودي، زاد عدد المساجد في الأراضي الفلسطينية إلى ثلاثة أضعاف، من 200 إلى 600 مسجد. كما سمح الإسرائيليون أيضا بإنشاء الجامعة الإسلامية في غزة، المؤسسة الأكاديمية الوحيدة في المدينة، والتي أصبحت أرضا خصبة للمتشددين الإسلاميين.

جماعة الإخوان المسلمين السورية

في السعينيات، في سوريا، استفاد الإسلاميون من تلاشي شعبية النظام وذلك بسهولة أكبر بما أن الاخير كان قد قام بسلب فعالية الحزب الشيوعي. فنظام الأسد قام بترويضه وربطه بالسلطة. فانقسم الحزب الشيوعي إلى قسمين، التحق الأول بالسلطة بانضمامه إلى الجبهة الوطنية التقدمية ولجأ الثاني إلى المعارضة. فتم ملاحقة أعضائه وسجنهم. فبدأ الإخوان المسلمون السوريون يجسدون المعارضة على نحو متزايد.

وكان هدف الإخوان المسلمين السلطة. فبعد عام 1976، بدأ جزء منهم القيام بهجمات إرهابية ضد الأقلية العلوية التي يتحدر منها الأسد. فأثارت هذه الهجمات الانقسامات الطائفية بين المسلمين الشيعة، الذين يتضمنون العلويين، والمسلمين السنة الذين يشكلون أغلبية السكان. ولكن الإخوان المسلمين لم يوجهوا انتقاداتهم إلى أرباب العمل وأصحاب الأراضي من السنة الذين كانوا وما زالوا تربطهم علاقات وثيقة مع هذا النظام الذي سمح لهم بالاغتناء.

وقامت الجماعة على مدى عدة سنوات بحرب عصابات ضد الشرطة والجيش النظامي الذي انشق منه سرا بعض الكوادر ليلتحق بالاخوان المسلمين. كما نظمت انتفاضات في عام 1982 في حلب وحماه، حملت النظام إلى قمعها بشراسة خلفت الآلاف من القتلى في صفوف السكان.

وهكذا، أمام الفراغ السياسي الذي خلفه القوميون والأحزاب التي ادعت الدفاع عن الشيوعية، لم يتوقف تمدد الإسلاميين في جميع بلدان الشرق الأوسط.

ولعب حدثان دورا هاما في تصاعد الحركات الإسلامية: الانتفاضة الشعبية في إيران والحرب في أفغانستان.

عام 1979، منعطف جديد بصول الخميني الى السلطة

في عام 1978، حدثت ثورة قوية في إيران أنهت ديكتاتورية الشاه. وهذا الملك، الذي استولت عائلته على السلطة لأكثر من خمسين عاما، كان مدعوما من قبل الولايات المتحدة. والاخيرة كانت تقوم بتجهيز الجيش الإيراني القوي لتلعب إيران أيضا دور شرطي النظام الإمبريالي في المنطقة.

ولكن الثورة الشعبية قد اتت على جهاز الدولة وأوصلت آية الله الخميني إلى السلطة في آخر الامر، وكان رجل الدين هذا في المنفى في فرنسا حتى ذلك الحين. كان هذا حدثا هاما أذهل العالم. وكان لديه صدى في جميع الدول الإسلامية وأعطى زخما للأحزاب إسلامية فيها.

الأميركيون يدعمون المقاتلين الافغان ويدربون الجهاديين

وفي شق آخر، في نفس العام 1979، اندلعت أزمة أخرى في أفغانستان. كان الحزب الشيوعي الحاكم هناك يتلقى الدعم من الاتحاد السوفيتي ولكن سياسته في الداخل كانت تواجه الكثير من المعارضة. فاستنح الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر الفرصة وطلب من وكالة المخابرات المركزية الترتيب لما سمي ب"البرنامج الأفغاني". فكان عبارة عن دعم المقاتلين الأصولين الاسلاميين ضد الحكومة المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي.

وبعد بضعة أشهر، حمل قيام الجيش الروسي بغزو أفغانستان بالأميركيين لتفعيل ما سمي ب"عملية الإعصار". وهي كانت وسيلة لإضعاف الاتحاد السوفياتي عبر اغراقه في مستنقع الحرب. فقامت كل من الإدارة الأمريكية والملك السعودي بتزويد حساب وكالة الاستخبارات المركزية في سويسرا الذي مول ثمن الأسلحة وتدريب المدربين الباكستانيين الذين كانوا يدربون المجاهدين الأفغان.

بهذا الدور، اعطت المملكة السعودية لنفسها صفة المدافع عن المسلمين وفي نفس الوقت قامت بحل مشكلة سياسية. فالشباب السعودي، الذي تعلم منذ صغره بأن المبادئ الدينية الصارمة يجب أن تكون أساس الممارسة في الحياة والمجتمع والأخلاق، بما في ذلك أصغر التفاصيل، بدأ يستنتج أن النظام نفسه لا يطبق عددا من التعاليم الدينية كما يوجب. فأدى هذا الاستيتاج إلى تمرد ديني صغير، ولكن عنيف جدا، في عام 1979، إذ تم اقتحام مسجد الحرام في مكة المكرمة من قبل المئات من المتشددين الأصوليين المتجمعين حول من كانوا يعتبرونه المهدي المنتظر.

فاستعان الملك بوحدة النخبة الفرنسية المتخصصة في سبيل استعادة المسجد والقضاء على الإرهابيين. لكن هذا الهجوم برهن له بوجوب الحذر من بعض المتدينين. فقامت المملكة العربية السعودية بحظر أنشطة جماعة الإخوان المسلمين على أراضيها، والتي كانت قد دعمتها حتى آنذاك. ولكنها، وبفضل غنائها المتزايد، واصلت تمويل العديد من المنظمات الإسلامية التقليدية والأصولية حول العالم. وفي السنوات التي تلت، أعطى الصراع في أفغانستان الفرصة لابعاد هؤلاء الشباب الناشطين الدينيين الخطيرين عن الاراضي السعودية، عبر إرسالهم لدعم التمرد بوجه الاتحاد السوفياتي.

كان هذا جيل بن لادن. وكان أسامة بن لادن من عائلة سعودية مليارديرية بنت امبراطوريتها في قسم البناء، وخاصة بناء المساجد، من خلال علاقاتها مع العائلة المالكة. وكما العديد من العائلات السعودية، كان لها أصول مختلفة: فوالده كان من اليمن، ووالدته من سوريا. وبدأ بن لادن بعمر الستة عشر عاما بمحاذاة المتشددين الأصوليين، وكان متحمسا لقتال الإسلاميين في اليمن. وابتداءا من العام 1979، في سن ال 22، ذهب الى باكستان في منطقة قريبة من الحدود الافغانية، بخدمة الأمير "تركي"، رئيس المخابرات السعودية.

في أفغانستان، وخلافا للاسطورة التي حاولوا ترويجها، لم يقم بن لادن والكوادر "الجهاديون" الأجانب الآخرون بمحاربة الاتحاد السوفييتي إلا قليلا جدا. لكنهم قاموا بتأمين اللوجستية وجمع الأموال من الأثرياء السعوديين ليقيموا معسكرات تدريب في باكستان استقبلت آلاف النشطاء الدينيين الآتين من مختلف البلدان في سبيل "الجهاد". وهكذا تم نشر الوهابية الأصولية بين الباكستانيين الذين كانوا معهم وأيضا بين المقاتلين الأفغان الذين لجأوا هناك وأقاموا علاقات معهم، كما أن بعض هؤلاء إنتموا في النهاية إلى حركة طالبان.

والولايات المتحدة، التي كانت وراء كل هذه العملية، ساهمت إذا إلى حد كبير في تحويل أفغانستان إلى مركز وساحة تدريب للجهاديين من جميع أنحاء العالم. والقوات السوفياتية، بمواجتها لشعب ازدادت كراهيته لها، وجدت نفسها مجبورة على العودة من حيث أتت. وعاد عدد من الجهاديين الأجانب إلى بلادهم أيضا.

والبعض الآخر بقي لتعزيز قوة المحاربين الاسلاميين بوجه الحكومة الشيوعية في كابول. سوف نرى لاحقا كيف قام هؤلاء الجهاديون بالانقضاض على الذين أنتجوهم.

الحرب الإيرانية العراقية - 1980-1988 : الإمبريالية تأجج الصراع

بعد سقوط شاه إيران ووصول آية الله الخميني إلى السلطة، حرمت الولايات المتحدة من حليف مهم كان يساهم في الحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط، وباتت بمواجهة نظام يتحداها. جاء قسم من الحل من جهة صدام حسين، زعيم العراق المجاور. فكما الأسد في سوريا، كان صدام حسين قد ارتقى المناصب داخل حزب البعث، القومي، ليصل إلى رئاسة الدولة. لم يكن صدام حسين مستحسنا من قبل الولايات المتحدة وذلك بسبب علاقاته مع الاتحاد السوفياتي ومواقفه، ولكنه كانت له علاقات جيدة مع القوى الامبريالية الأخرى، وخاصة فرنسا. ففي عام 1974، قال شيراك، رئيس الوزراء آنذاك، أثناء زيارته للعراق بأن صدام حسين هو صديق شخصي له. لا بد من القول بأن عقود بيع الأسلحة الكبيرة ساعدت على توطيد هذه الصداقة.

في عام 1980، وبإثارته للحرب ضد إيران، برهن صدام حسين عن استعداده للعب دور القوة الإقليمية القامعة والذي توقفت إيران عن لعبه منذ وصول الخميني إلى السلطة. بذلك، كانت القوى الامبريالية مستفيدة من جميع الجهات: فتأجيج للحرب بين العراق وإيران سمح بإضعاف هاتين القوتين الإقليميتين اللتين كانتا تشكلان مشكلة لها. وكانت الحرب أيضا مورد صفقات مهمة لتجار الأسلحة في جميع أنحاء العالم، فكلما استمرت الحرب، كلما نمت ثرواتهم، فحرصوا على الحفاظ على توازن القوة بين الجهتين المتناحرتين. وبالتالي فإنهم باعوا أكثر من 100 مليار دولار من الأسلحة.

وحتى تجار الأسلحة في دول عدوة للعراق، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، قد استفادت من هذه الحرب.

الحرب استمرت أكثر من 8 سنوات. ودفع ثمنها سكان البلدين، مع أكثر من مليون قتيل، ودمار لا يحصى.

في عام 1988، في نهاية الحرب، كان العراق مخنوقا على الصعيد الاقتصادي، وخسائره المالية قدرت ب450 مليار دولار. وكان صدام حسين ينتظر من دول الخليج النفطية والبلدان الامبريالية التي شجعته على خوض الحرب مع إيران، مساعدة مادية كمكافأة للخدمة التي قدمها لهم. لكنه قوبل بالرفض في جميع العواصم العربية التي زارها. فقرر خلال صيف عام 1990 إلى غزو الكويت، ليعوض لنفسه عن تكاليف الحرب ضد إيران.

وكانت إعادة ضم الكويت، التي تشكل المنفذ الطبيعي للبلد على البحر، مطلبا قديما للعراق. فقد سبق لجنرال قائد للعراق في العام 1961 أن حاول استرداد هذه البقعة.

لكنه لم يكن هناك مجال، بالنسبة لقادة الولايات المتحدة، بالمساس بمصالح شركاتهم النفطية. ولم يكونوا أيضا يقبلون بفكرة أن يجرؤ زعيم مستعمرة سابقة بتغيير حدود رسمتها الإمبريالية. فالقوى الإمبريالية، التي كانت قد استخدمت العراق في سبيل خدمة مصالحها، كانت مستعدة لمنحه درسا لو أراد أن يؤمن مصالحه بدوره.

من حرب الخليج الأولى إلى الثانية، 1991-2003

فكانت عملية "عاصفة الصحراء". وانهالت الحملات الدعائية على العالم بأسره. فأصبح صدام حسين، "صديق فرنسا" السابق وحليف القوى الإمبريالية ضد إيران، "هتلر الجديد". تماما كما صور جمال عبد الناصر في عام 1956.

بعد الحملة الدعائية الهستيرية هذه، قامت الولايات المتحدة بشن حرب الخليج الأولى، وكانت على رأس ائتلاف دولي من ما لا يقل عن 50 دولة بما في ذلك فرنسا. وتمت العملية بدعم من الأمم المتحدة لأنها كانت تدفاع عن "القانون الدولي" الشهير، وعن حق الكويت الصغير في وجه العراق الشرير. فتم تعبئة 700000 جندي من دول التحالف، وعلى نحو ستة أسابيع في بداية العام 1991، انهال سيل من النيران على البلاد. وفي سبيل تأييد هذه الحرب القذرة، استخدم المختصون بالاعلام مصطلاحات جديدة : فلم نعد نتكلم عن القصف والقتلى من المدنيين، بل عن الضربات الجراحية والأضرار الجانبية. لكن رغم ذلك، كانت حربا حقيقية بموتاها ودمارها. فدمرت معظم البنية التحتية وبخاصة إمدادات المياه الكبيرة جدا والمعقدة، وكذلك شبكات الطاقة.

تم طرد القوات العراقية من الكويت من دون صعوبة. وفي سبيل تسهيل دخولهم إلى العراق، شجع القادة الأمريكيون الشعب للانتفاض ضد صدام حسين، وقالوا حرفيا: "هلموا، فسوف نحميكم كما حمينا الكويت".

وعند اقتراب القوات الأميركية، تمرد الأكراد في الشمال وكذلك الشيعة في الجنوب. لكن قوات التحالف توقفت قبل بغداد، وتركت صدام حسين في السلطة. فبعد أن تذرعت القوى الامبريالية بالحاجة إلى تخليص البشرية من "هتلر الجديد"، صدام حسين، إلا أنها اكتفت بهزمه، إذ أن القضاء على النظام القائم كان يحوي خطرا : خطر إحلال حالة من الفوضى أو حتى حالة ثورية. ففضل قادة الولايات المتحدة التخلي عن السكان المتمردين وترك ما يكفي للدكتاتور من قدرات قتالية لسحق التمرد.

وإنه فقط بعدما أن تركوا صدام حسين يسحق الانتفاضة الكردية، قام التحالف بوضع منطقة حظر جوي شمال العراق. ثم ترك ميليشيات عشيرتي بارزاني وطالباني المتنافستين تفرضان سيطرتهما على المنطقة. لكن كردستان العراقي، الذي كان بمنأى عن العقوبات الاقتصادية المفروضة على بقية البلاد، لاقى مصيرا مختلفا تماما. فالقادة الإمبرياليون قد رؤا فيه مصالح لهم، منها بشكل خاص حقول النفط الكبيرة المنتشرة في المنطقة الكردية. لكن بقية الشعب العراقي ما انفك تحت العقاب.

فخلال السنوات العشر التي تلت، تعرض العراق لحظر رهيب من قبل الدول الغربية. فبذريعة منعه من صناعة الأسلحة، لم يكن يسمح له استيراد المعدات ولاقطع الغيار ولاالمواد الكيميائية اللازمة لإعادة تشغيل اقتصاده. فتسببت العقوبات الاقتصادية، بالإضافة إلى الدمار الكبير في عام 1991، بوفاة مليون شخص، نصفهم من الأطفال.

تنظيم القاعدة وهجمات 11 سبتمبر 2001

في هذا السياق تمت هجمات 11 سبتمبر عام 2001، والتي تبناها بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة.

وإنه في أفغانستان، في عام 1987، قد قرر بن لادن بتأسيس تنظيم القاعدة ذات البنية الدينية المتشددة، والذي كان يهدف إلى القيام ب"الجهاد العالمي". وتنظيم القاعدة هو حتى أكثر رجعية من جماعة الإخوان المسلمين، حيث لا يقبل بأي معارضة ولا يرغب التعامل مع أي أقلية.

فجميع الذين ليسوا في خطهم هم مرتدون وكفار، يحلل دمهم. ويشدد أعضاء هذا التنظيم على ضرورة الكفاح المسلح، من ضمنها الهجمات التي تقوم بها مجموعات صغيرة، والهدف هو إحلال دولة إسلامية عالمية، أي نظام الخلافة.

وإسم المنظمة أتي من تسمية المكان حيث كان أعضاء التنظيم يتلقون تدريبهم الأول، معسكر "القاعدة". والبعض اعتقد أن التسمية مستوحاة من قاعدة البيانات الحسابية التي أنشأها بن لادن للبقاء على اتصال مع المتطوعين الذين دربهم ونظمهم. في أية حال، كانت فكرة القاعدة باستخدام الجهاديين في أفغانستان هي بتشكيل حركة طويلة الأمد، يمكنها، بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي، مواصلة النضال في أرجاء مختلفة من العالم.

وبقيت أفغانستان ساحة حرب للجهاديين الذين توافدوا للمشاركة في الحرب الأهلية الأفغانية والتي بلغت أوجها بين عامي 1989-1996. وهذه الحرب لم تتوقف أبدا، فإنها تتلقى، بشكل دائم، دعما خفيا من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ودعما أكثر علنية من قبل الاستخبارات الباكستانية. وقد برهن خلالها الجهاديون الأجانب عن فظاعتهم.

وفي عام 1989، بعد رحيل الاتحاد السوفيات، عاد بن لادن إلى المملكة العربية السعودية، متحليا بوقار تجربته في أفغانستان. فاقترح تشكيل ألوية للقتال العراق بوجه صدام حسين. وانتقد قيام حكومة بلاده بتفضيل الجيش الامريكي وتدنيس "الأرض المقدسة" في شبه الجزيرة العربية من قبل "الكفار الأجانب". هكذا كان يوصف العدد المتزايد من الجنود الأمريكيين في البلاد. فقام نظام آل سعود الحاكم بطرده من البلاد وبحرمه من جنسيته. فلجأ بن لادن إلى السودان الذي كان بقيادة الإسلاميين.

ثم في عام 1996، عاد إلى أفغانستان حيث قامت حركة طالبان بالاستيلاء على السلطة. (وكان انتصار هذه الحركة حينها قد تلقى الترحيب من قبل وزارة الخارجية الأمريكية)! فكان هذا النظام المهيل والرجعي يناسب بن لادن تماما، إذ وضع تحت تصرفه سيارات مزودة بلوحات رسمية وأعطوه حرية استعمال شركة الطيران.

فقرر بن لادن استهداف مصالح الولايات المتحدة بشكل مباشر، وفي جميع أنحاء العالم، وإن أمكن في داخل الولايات المتحدة. فكان تنظيم القاعدة وراء سلسلة من الهجمات.

في عام 1998، قامت بمهاجمة سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا. وفي عام 2000، استهدف السفن الحربية الأمريكية في اليمن وقتل 17 بحارا.

لكن بالطبع أن العملية الكبرى، والتي حضروا لها لدة سنوات عديدة، كانت خطف الطائرات التي استخدمت كقنابل في 11 سبتمبر 2001. وكان انهيار البرجين التوأمين الكبيرين، رمزي نيويورك والقوة الاقتصادية الغربية، والذي تم تصويره وبثه على الهواء مباشرة على كل أجهزة التلفزيون في العالم، إنجازا بارزا لبن لادن.

هذا ما جعله وحركته، وفي نفس الوقت، وحوشا في نظر الكثير من دول العالم، ونجوما في عيون أولئك الذين، خاصة من بين الشعوب في البلدان الإسلامية، قد رأوا في تلك الهجمات صفعة للهيمنة الأميركية. مكنت هذه الهجمات بن لادن من البروز كزعيم بلا منازع للحركة الجهادية العالمية بأكملها. فتم إطلاق تسمية تنظيم القاعدة على جميع الجماعات التي أعلنت ولاءها له. وإذ بالجماعات الوحشية التي اعتمدت الولايات المتحدة عليها تقوم بالانقلاب ضدها.

بعد ثلاثة أسابيع من هجمات 11 سبتمبر عام 2001، بدأت الولايات المتحدة ردها بهجومها على افغانستان بهدف دحر تنظيم حركة طالبان، المتهم بإيواء أسامة بن لادن.

هزمت حركة طالبان بسرعة. فهي التي كانت تحكم البلاد بدكتاتورية دموية منذ خمس سنوات، لم تعد تتلقى الدعم من أي جهة دولية. لكن الولايات المتحدة قامت بعدها بالتورط على أرض أفغانستان لتغرق البلاد في فوضى جعلتها فريسة لأمراء الحرب.

إلا أنه منذ ذلك الحين، لم يكن القضاء على طالبان الهدف الحقيقي للأميركيين. ومرة أخرى قام الرئيس بوش باستخدام المشاعر التي ولدتها هجمات 11 سبتمبر لشن حرب جديدة، هذه المرة في سبيل اسقاط صدام حسين والنظام العراقي، وذلك رغم أنه لم يكن له إية علاقة بالهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي.

فأطلق العنان لحملة إعلانية جديدة من الهذيان لتأليب الرأي العام ضد العراق. فاتهم صدام حسين، دون أي دليل، بعلاقات مع تنظيم القاعدة وبإيواء أسلحة دمار شامل.

ومع أن صدام حسين قبل بكل "عمليات التفتيش" التابعة للأمم المتحدة والتي لم تجد أي أثر لهذه الأسلحة، إلا أن ذلك كان دون أي جدوى، فلم تتغير ذريعة شن الحرب! وعلى أساس هذه الكذبة، عانى الشعب العراقي مرة أخرى من إرهاب هائل من قبل الدولة الأكثر نفوذا في العالم، وبمساعدة 48 دولة أخرى.

2003 - الأمريكيون يعبثون بالارض فسادا

وبعد شهر واحد من بدء الهجوم الامريكي في نيسان 2003، تمت الأطاحة بصدام حسين. وبعد شهر، أعلن الرئيس الأمريكي انتهاء العمليات في العراق. ولكن اسقاط نظام صدام حسين كان أسهل من إيجاد بديل له. فبدأت الولايات المتحدة بتدمير ركنين للنظام: حزب البعث والجيش. فأصدر الحاكم الاميركي للعراق مراسيم كان من شأنها أن تغرق البلاد في لفوضى لا زالت تفتك حتى الآن.

وعلى شاكلة عملية "إجتثاث النازية" التي طبقت في إلمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ادعى قادة أمريكا القيام ب"إجتثاث البعثية" في العراق. والفرق هو أن جسم الدولة التي استخدمه النظام النازي بقي على حاله في ألمانيا، في حين أنه قد تم تدميره في العراق.

فتم توقيف جميع العراقيين الذين عملوا في الإدارات أو المؤسسات العامة وتعرضوا للاستجوابات قاسية. وفي غضون أسابيع قليلة، أصبح 200000 موظف عاطلين عن العمل. فكان أثر الغزو الامريكي مدمرا كليا، بدأ بوابل القنابل والصواريخ التي ألقتها الطائرات الأمريكية وصولا إلى عمليات النهب التي طالت مؤسسات الدولة على نطاق واسع: فمراكز الخدمات العامة والمدارس والجامعات والمحفوظات والمكتبات والبنوك والمستشفيات والمتاحف، كلها تعرضت للسلب والتخريب الممنهج من قبل عصابات البلطجية. وفي المستشفيات تم صرف مئات الأطباء والموظفين المؤهلين من مواقعهم بين عشية وضحاها، كما تم رفد 30000 معلم من التعليم بحجة أنهم كانوا يروجون لعقيدة حزب البعث.

حتى صناعة النفط، الحيوية بالنسبة للبلاد، لم تسلم من هذا الهجوم. فتم طرد 17 من 24 مدراء عامين للشركة الوطنية وكذلك مئات من المهندسين، حتى أولئك الذين عملوا على أبقاء الإنتاج بالرغم من الصعوبات في الخمسة وعشرين سنة السابقة. وإذ بالاقتصاد العراقي، الذي كان منهكا بعد أكثر من عقد من العقوبات، يصاب بالشلل. وتفاقم الوضع بسبب النمو المفاجئ لمستوى البطالة.

أما الهجوم المدمر الثاني فكان تفكيك جميع القوات المسلحة من الجيش العراقي ووحدات الأمن والحرس الجمهوري. إذ أدى ذلك إلى حالة انعدام عامة للأمن. فوجد 400000 جندي نفسهم عاطلين عن العمل بشكل قسري دون أي تعويض ودون أي أمل بالعودة إلى الحياة العملية. والعائلات التي كانت تعتمد على هذه الوظيفة أصبحت دون أي دخل. في نهاية المطاف، انتهى الآلاف من الرجال المسلحين والمدربين على القتال، في الشوارع دون أجر ودون أفق. فعاد العديد منهم إلى محافظاتهم التي جاؤا منها، وقام جزء كبير منهم بالاتحاق بالانتفاضة المسلحة التي ولدها الاحتلال الأمريكي.

إن مشروع التفكيك هذا الذي طال الإدارات العامة وجميع القوات المسلحة كان عملا جنونيا، حتى من وجهة نظر الإمبريالية الأمريكية. كان ذلك عملية هروب إلى الأمام، لم يمكن لها إلا أن تؤدي إلى الفوضى.

طوأفة السلطة

الامر الذي فاقم الوضع كان قرار الولايات المتحدة في صيف عام 2003 بإنشاء سلطة ترتكز على الاختلافات العرقية والدينية بين الأكراد والعرب الشيعة والعرب السنة والمسيحيين. واستند هذا الحساب على الإحصاءات، إذ كان الشعب العراقي يتكون من 60٪ من الشيعية، و20٪ من السنة و20٪ من الأكراد.

هذه السلطة الجديدة، الابتكارية بحسب قول بعضهم، كانت تتألف من المنفيين وكانت تستند على القوى الدينية الشيعية. فأصبحت المنظمات الإسلامية، مثل حزب الدعوة المدعوم من ايران والذي كان يصنف سابقا ضمن المنظمات الإرهابية، من الجهات التي يمكن التعاون معها في سبيل إنشاء "قوة ديمقراطية جديدة".

ومن بين ال25 عضوا في الحكومة، كان هناك تقريبا من جميع المجموعات والطوائف العرقية، وحتى عضوا من الحزب الشيوعي وعضو من الأقلية الايزيدية، ولكن خمسة أعضاء فقط كانوا من السنة. كان هذا التقسيم للسلطة يهمش السكان السنة، الذين كانوا محسوبين بمجملهم على حزب البعث. ولكن حزب البعث لم يكن حزبا دينيا، وهو لم يضم فقط السنة ولكن أيضا العديد من الشيعة.

وبتعامله مع السنة كما لو كانوا جميعا من أنصار صدام حسين، جميعهم بعثيين، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بوضعهم سويا بوضعية المعارضة المهمشة، في حين أن الغالبية منهم كانوا قد عانوا من ديكتاتورية صدام حسين وحتى أن البعض منهم كانوا قد قاتلوا هذا النظام. واستندت الحكومة العراقية الجديدة على القوى السياسية الشيعية المتوقع أن تواليها بعد الاضطهاد الذي كانت قد تعرضت له في عهد صدام حسين.

التمرد السني والفكر الجهادي

الاحتلال الأميركي للعراق بدأ في العام 2003 واستمر عشر سنوات تقريبا. والمسؤولون الأمريكيون ادعوا بأنهم سوف يكونوا موضع ترحيب كمحررين، وأنهم سيحتاجون لستة أشهر لتحقيق الاستقرار في العراق وسنة أخرى لإعادة بناءه. كما زعموا النية بالانسحاب بسرعة. ولكن الأمور لم تجر كما خططوا لها. فوجدوا أنفسهم في مواجهة تمرد وحرب العصابات كان من شأنها إفشال مشروعهم.

بعد أسابيع قليلة على وصولهم، وقعت اشتباكات بينهم وبين سكان بلدات محافظة الانبار حيث شنت القوات الامريكية عمليات عسكرية أسمتها "حصار ومطاردة"، بهدف القبض على عناصر من حزب البعث. توغلت القوات الامريكية بين السكان المحليين وتعاملت معهم بوحشية. وقامت باعتقالات تعسفية. كما ساهمت فضيحة سجن "أبو غريب" بتأجيج الكراهية لدى العراقيين. إذ كشفت أن عملاء المخابرات الامريكية والجنود الامريكيين تعرضوا للسجناء بأسوأ أشكال التعذيب والإذلال. وزادت حدة تمرد السكان عندما تم نشر صورة لسجين عراقي عار ممسوك بمرسة من قبل إحدى المجندات الأمريكيات.

وفي محاولة لكسر مقاومة الاحتلال عام 2004، حاصر الأمريكيون مدينة الفلوجة وهاجموها بشكل عنيف مرتين، مخلفين آلاف الضحايا.

كانت العصابات المتمردة غير متجانسة فشملت مجموعات وميليشيات لا ترتبط فعلا ببعضها البعض. وإن كان يمكن للمرء التعرف على بعض تلك التيارات إلا أن أهدافها المعلنة كانت مختلفة جدا فيما بينها.

كان القسم الأكبر من هذه العصابات يضم جنودا من الجيش العراقي السابق ومسؤولين من حزب البعث. فكان هذا القسم مسلحا على ومعتادا للقتال وكان أفرادها يطمحون لاستعادة مكانة لهم في بلد محرر. كما تشكلت عصابة أخرى من القبائل السنية الرافضة للتعامل مع المؤسسات التي وضعتها الولايات المتحدة تحت غطاء الأمم المتحدة. أما الحركة الجهادية فقد بدأت بالبروز تدريجيا عبر أعمال العنف والإرهاب الذي كانت تمارسه، فكان من بينها تنظيم القاعدة في العراق والذي قام بفرض نفسه تدريجيا.

في عام 2003، عندما غزا الأميركيون العراق، لم يكن تنظيم القاعدة موجودا. وحدها مجموعة صغيرة من الجهاديين الأكراد كانت متواجدة في كردستان العراقي. وكان معظم جهادييها يحاربون في أفغانستان في السابق. وفي عام 2002، بعد سقوط نظام طالبان، عادوا إلى المنطقة بجانب المئات من المقاتلين من جميع الجنسيات واستقروا في جبال كردستان، على الحدود مع إيران، وقاموا بترويع الأقليات الدينية التي كانت كافرة بنظرهم. وتمكنت القوات الخاصة الأمريكية والمقاتلون الأكراد الآخرون من طردهم من هناك، لكنهم انتشروا في جميع أنحاء العراق، وخاصة في المناطق السنية.

لم يكن تنظيم القاعدة التظيم الجهادي الوحيد في البلاد. إذ كان منافسا من قبل مجموعات أخرى مثل الجهاد العراقي أو الجيش الإسلامي في العراق. وعلاوة على ذلك، أصبح العراق، في ظل الاحتلال الامريكي، مجتذبا للجهاديين من والمطاردين من قبل انظمة بلادهم في مختلف أنحاء العالم، مثل الجزائريين والسعوديين والمصريين... الذين مولوا منظماتهم من قبل ممالك النفط وعبر التهريب.

أما في الجانب الشيعي، كان هناك ميليشياتان اثنتان تهيمنان على السكان. إحداها كانت جيش المهدي بزعامة مقتدى الصدر. وقد ضمت هذه الميليشيا عشرات الآلاف من الرجال الذين أحكموا سيطرتهم على ضاحية بغداد الشعبية المسماة مدينة الصدر، حيث يقطن ملايين الشيعة الفقراء.

ومن جهة ثانية، كانت هناك ميليشيات مرتبطة بحزب الدعوة الشيعي. كانت هذه الميليشيات تحصل على الدعم من إيران على الصعيد المالي والمادي كما حصلت على مساعدة من عملاء ايرانيين...

وإلى جانب هذه المليشيات السياسية الدينية، استفادت الجماعات الإجرامية المسلحة أيضا من اختفاء الشرطة. إذ قامت كل منها بابتزازالسكان باسم الدفاع عن جماعتها، فاستعملوا وسيلة الخطف للحصول على فدية. وامتلأ فراغ الدولة، الذي أنشأته الولايات المتحدة، بسرعة بالجماعات المسلحة. لقد تمت الاطاحة بدكتاتور، ليأتي مكانه عشرات الطغاة الناشئين.

دولة فيدرالية حضرت لتفتيت البلاد

في عام 2005، ساعد اعلان دستور جديد تدعمه قوات الاحتلال في انتشار الصراعات الطائفية. تحت ستار الفيدرالية، كرس الدستور الانقسامات الطائفية في البلاد بين الجنوب الشيعي والوسط السني والشمال الكردي.

أما اقليم كردستان العراقي، الذي، كما رأينا سابقا، كان قد استقل فعليا منذ عام 1992، كانت حاله أفضل بكثير. فالاقليم قد ازدهر بشكل يتناقض مع بقية البلاد. والأحزاب الكردية دافعت عن الدستور الجديد الذي كرس الاستقلال. وتحت الحماية الأمريكية، كانت حكومة أربيل، العاصمة الكردية، توقع مباشرة عقود مع الشركات العالمية الكبرى. وكانت تحظى على دعم شعبها.

وقامت حكومة أربيل، بفضل موارد النفط، بتحويل الميليشيا الكردية إلى جيش حديث مجهزا تجهيزا جيدا. كما شكل انتخاب الكردي طالباني كأول رئيس لجمهورية العراق انعكاسا للدور السياسي الجديد للأكراد في المنطقة. لكن تركيا المجاورة، التي تواجه حركة انفصالية للأكراد فيها، لم تستحسن قيام هذا الحكم الذاتي الأكراد في العراق.

كانت الأحزاب الشيعية الفائز الأكبر مع الدستور الجديد. فالأغلبية السكانية الشيعية أعطتهم الأغلبية السياسية بشكل مضمون. وكانت الحكومة المركزية في بغداد قد أعادت تكوين الجيش معتمدة بشكل كبير على الميليشيات الشيعية. وبالتالي كان الائتلاف الكردي-الشيعي يسيطر على مجمع مؤسسات الدولة.

وزادت قضية السيطرة على الموارد النفطية من حدة الانقسامات داخل الشعب العراقي. وكانت حقول النفط الكبيرة تقع في الشمال في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد وفي الجنوب في المنطقة ذات الأغلبية الشيعية.

إذن، بإحلالهم للدولة الفديرالية على هذا الشكل، قام المحتلون الأميركيون بتحديد صناعة النفط في منطقتين. بذلك شعر السكان السنة، المحرومون من حقول النفط، بالاهمال من قبل الدولة.

خلق الاحتلال الامبريالي وضعا متفجرا في العراق، وحمل بذور الصراع بين الطوائف الذي تم استغلاله لاحقا من قبل مختلف الافرقاء.

الحرب الطائفية : 2006 - 2008

في عام 2006، لم تتمكن قوات التحالف من الإنتهاء من ظاهرة الميليشيات المسلحة التي واصلت فرض قوانينها في البلاد. ولكن سرعان ما تحولت الحرب ضد المحتل إلى حرب بين الميليشيات نفسها. وأطلق تنظيم القاعدة موجة من الهجمات ضد الشيعة أغرقت العراق في حرب بين الميليشيات الطائفية.

وانتقاما لذلك، استهدفت الميليشيات الشيعية السكان السنة. واستمرت الحرب الأهلية عامين حاصدة عددا كبيرا من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين. وهربا من الانتقام، تخلت آلاف الأسر عن منازلها، قراها أو احياءها. وانقسمت بغداد إلى قسمين على ضفتي دجلة: السنة على جانب والشيعة على الجانب الاخر.

إن العنف لم يكن في الحقيقة من قبل السكان السنة والشيعة، ولكن من قبل تلك الميليشيات التي بثت الرعب وفرضت سلطتها على الجميع.

وتشيرالكاتبة ليلى نادر في كتابها "أشجار البرتقال في بغداد" إلى كيف تم فرض الانقسامات الطائفية على السكان بوحشية. وتقول: "في عام 2003، تفاجأ معظم العراقيون بإشاراة الغربيين بشكل مستمر إلى الفروقات بين السنة والشيعة والمسيحيين والأكراد، في حين أن غالبية الأسر كانت مختلطة، وأنه لم يحصل يوما صراعا طائفيا في العراق (...) يوجد هنا ارتباط دائم بين العائلات الشيعية والسنية من خلال الزواج: إن هؤلاء الذين يقولون للسنة بأن عليهم ترك مكان ما ليتجمعوا في آخر هم أناس من خارج المجتمع العراقي. والشيء نفسه ينطبق بما يخص الشيعة. الناس الآن مقسومون، ولكنه من الصعب فصل العائلة الواحدة كليا. فمعظم الناس لهم أعمام من السنة والشيعية على حد سواء. هل يجب على المرء الشروع بإبادة أعمامهم؟ لكن الناس لا يجرؤون على معارضة عصابات الموت التي تفتك فيهم، فهم يخافون على حياتهم».

في عام 2008، انتهت الحرب بين الميليشيات بانتصار الميليشيات الشيعية التي سيطرت على بغداد. وتم ابعادت معظم السكان السنة عن العاصمة في حين قام نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة الشيعي الأصولي، بتشكيل الحكومة.

ثم هدأت الحرب الأهلية في عام 2008، ولكن الميليشيات بقيت هناك والهجمات التفجيرية لم تتوقف. بهدف الاحتماء من هذه الهجمات، أقامت السلطات الأمريكية منطقة عزل في بغداد، أسمتها المنطقة الخضراء، وأقامت في وسطها أكبر سفارة في العالم. ضمت هذه السفارة مركز القيادة ووظفت ما لا يقل عن 17000 موظف ومرتزقة وأفراد من قوات الأمن. لكن على مر السنين، كان الحفاظ على الاحتلال الأمريكي يشكل مشكلة لحكومة الولايات المتحدة. إذ انتاب الجنود الاميركيون الذعر الشديد من الهجمات الانتحارية إلى حد أنهم لم يعودوا يتجرؤون على الخروج من ثكناتهن، ذلك غير مئات الآلاف من الجنود الذين عادوا إلى ديارهم مدمرين ومحطمين نفسيا من جراء هذه الحرب القذرة.

وفي عام 2008، تعهد أوباما، المنتخب حديثا، والراغب بالتخلص من المستنقع العراقي، بانسحاب القوات الأميركية بحلول عام 2011.

غادرت القوات الأمريكية العراق في ديسمبر 2011، بعد تسع سنوات من الاحتلال. ورحب أوباما بالجنود العائدين واشار إلى عدم جدوى بقائهم وأثنى على عملهم هناك: "نحن تركنا وراءنا حكومة مستقرة ذات سيادة وبإمكانها الاعتماد على ذاتها، وهي حكومة تمثل الشعب الذي انتخبها". كلام لم يصدقه إلا قليل من الجنود، وبالتأكيد لم يصدقه أحد من الشعب العراقي.

كانت نتائج الاحتلال كارثية. فالتدخل الأمريكي، الذي كان من المفترض أن يحرر العراقيين، خلف الفوضى في البلاد فباتت على شفير التفكك الطائفي.

2011- الانتفاضة الشعبية في سوريا

في عام 2011، طالت موجة من الثورات والاحتجاجات العديد من الدول العربية مما تسبب في سقوط طغاة مكثوا في الحكم على مدى عقود من الزمن. فالأزمة الاقتصادية عام 2008 أصابت جزء من الشباب بالبطالة. وفي مارس 2011، بعد أيام قليلة على سقوط بن علي في تونس ومبارك في مصر، طالت الاحتجاجات سوريا بدورها. فالغضب الذي تفجر بسبب سجن بعض المراهقين الذين كتبوا شعارات على جدار مدرستهم، وتعرضوا للتعذيب بسببها، أخذ بالامتداد في الشارع السوري.

إن الأسباب التي أدت إلى الانفجار في سوريا هي أساسا نفسها التي طالت البلدان الأخرى. فالاسد الاب والابن قد أقاما دكتاتورية مكروهة على مدى عقود من الزمن، في حين أن ثروة الطبقة البرجوازية الفا جرة والمقربة من النظام استمرت بالازدياد. وقد ازداد حزام الفق حول المدن مع انتشار الابنية غير القانونية وانتشار البطالة الجماعية، خاصة بين الشباب.

وابتداءا من مارس عام 2011، ارتفعت أصوات الاحتجاجات أكثر. يوما بعد يوم، خرج آلاف المحتجون في المدن الكبرى مطالبين بتحسين ظروفهم المعيشية ونهاية الدكتاتورية الحاكمة بزعامة عائلة بشار الأسد. لكن عند كل مظاهرة أرسل النظام الشرطة وعصابات البلطجية لتفريق الحشود بالقوة. وفي محاولة لوقف الاحتجاجات، راهنت السلطات هنا أيضا على التقسيم الطائفي في البلاد. فبتقديمه لنفسه على أنه حامي للأقليات الدينية، بما في ذلك المسيحيين والعلويين، سعى الأسد لتعبأة هذه الاقليات في مواجهة الأغلبية السنية.

وكون عائلة الأسد هي من الطائفة العلوية وتسيطر على معظم اللامتيازات، زاد ذلك من الاستياء في أوساط الغالبية السنية في البلاد. لكن الطابع الطائفي لم يطغى على الإحتجاجات خلال العام 2011.

ورغم تكرر المظاهرات وزيادة حجمها، إلا أن النظام لم ينهار. كان ذلك لعدة أسباب. في تونس ومصر، استخدمت القوى الامبريالية بتأثيرها على الجيش في تلك البلاد في سبيل إزاحة الحكام المستبدين. فبهدف الحفاظ على جهاز الدولة، نظموا تغييرا سياسيا من أعلى الحكم ودفعوا ببن علي وبمبارك للتنحي عن السلطة. فنزعوا بذلك فتيل الانتفاضة الشعبية.

أما في سوريا، لم يكن لدى الإمبريالية الأمريكية ولا الفرنسية مثل هذه الروابط مع قيادات الجيش، ليمكن طرحها كبديل. فالأسد، الأب والابن، كانا قد تمكنا من الحفاظ على قدر من الاستقلالية عن الإمبريالية، عبر توثيق العلاقات مع الاتحاد السوفياتي ثم روسيا، وكذلك مع إيران.

لكن القوى الإمبريالية، بينما كانت تتفرج على الأسد وهو يقمع الاحتجاجات، لعبت ورقة حلفائها الإقليميين الذين تركتهم يحاولون إضعافه.

سوريا ساحة لحروب بين القوى الإقليمية

في الواقع، فإن الإحتجاجات ضد النظام السوري كانت في البداية اجتماعية وسياسية، ولكنها تحولت إلى حرب أهلية إقليمية وذات طابع طائفي متزايد. فأصبحت سوريا ساحة تسوية للخلافات بين بلدان المنطقة، من ورائها القوى العظمى، وذلك عبر العصابات المسلحة.

فالصراع في سوريا بين المقاتلين السنة المناهضين للأسد من جهة واتباع النظام السوري من جهة أخرى، يعكس الصراعات التي تمزق الشرق الأوسط بأكمله. فالتكتل الاول، بأكثريته الشيعية، يتضمن إيران والأنظمة العراقية والسورية، وكذلك حزب الله اللبناني، إلى جانب الدعم من الروس والصينيين. وبشار الأسد يعتمد حتى الآن على إيران لتزويده بالأسلحة وعلى 7000 من مقاتلي حزب الله اللبناني إلى جانب قواته. وبمواجهة هذا التكتل، يجمع التكتل الثاني بين قطر والمملكة العربية السعودية وكذلك تركيا ومصر مع الحلفاء الإمبرياليين الغربيين. يختزل البعض هذا الصراع إلى مواجهة دينية بين الكتلة الشيعية الموالية للأسد والكتلة السنية المناهضة له. ألا ان الأمر هو أكثر تعقيدا. في الواقع، إن وراء الاشتباك بين هذين المعسكرين في سوريا صراعات في داخل كل من هذين المعسكرين.

خلق تدخل الولايات المتحدة في العراق حالة من الفوضى في البلاد، ولكن رحيلهم في عام 2011 قد خل بالتوازن في المنطقة إذ فتح المنافسة على قيادة الدور الإقليمي بين حلفائها المحليين، السعودية وتركيا. وتفاقمت هذه المنافسة من مع ظهور منافس قوي محتمل وهو إيران. فإيران، وعلى الرغم من تواجدها في المعسكر المؤيد للأسد، فإنها تظهر كسلطة مستقرة في المنطقة خاصة مع وضع العراق الضعيف بجانبها.

والتحالفات تتشكل وفقا لقاعدة التالية: أؤيد أعداء أعدائي. أما بالنسبة للأصدقاء، فلا أعول عليهم. وهذه القاعدة الساخرة تنطبق على كل الاطراف.

وهكذا، فالطغاة مثل صدام حسين والقذافي وبشار الأسد قد لاقوا جميعهم يوما بعض الاعتبار لدى الدولة الفرنسية. ففي عام 2007، دعا ساركوزي القذافي لنصب خيمته في ساحة فندق مارينيي. وبعد ذلك بعام، في مناسبة عرض 14 يوليو حصل بشار الاسد على استقبال عظيم في الشانزليزيه. فوراء تلك القرابة الظاهرية كان هناك في الغالب صفقات مع الشركات الفرنسية الكبيرة. فكريستوف دي مارجوري، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال"، حصل من الاسد على حق استغلال حقول الغاز في تدمر وباعت "الكاتيل" الأخير معدات اتصال. ولكن بين ليلة وضحاها، في عام 2011، أصبح أصدقاء الأمس أعداءا لدودين. لم يتغير شيء جوهري، ولكن الحكومة الفرنسية استغلت الفرصة جديدة المتاحة للعب بطاقة أخرى.

والقوى الإقليمية تتبع بالضبط نفس النوع من السلوك. فتركيا على سبيل المثال، في عام 2004، الإسلامي أردوغان، الرئيس التركي الحالي، وقع مع سوريا على اتفاقية تجارة حرة أسعدت الشركات التركية.

وحتى العام 2011، تحدث أردوغان عن بشار الأسد كصديق وكان شعاره "لا مشاكل مع جيراني". في أكتوبر 2011، إلى جانب ضغط الولايات المتحدة، تخلى عن الأسد ليصبح أسوأ أعدائه. ذلك لأن أردوغان كان ينوي لعب دور في سوريا وهي في خضم التحول. فعمل أردوغان على إنشاء مجلس وطني سوري، يتألف من البرجوازية المنفية وخاصة من جماعة الإخوان المسلمين، وذات قوة على الأرض سميت بالجيش السوري الحر.

الحرب في سوريا أدت بالتالي إلى تفاقم التنافس بين القوى المحلية المالية في المنطقة، وتحولت هذه المنافسة إلى حرب ميليشيات. ففيما تدعم ايران 7000 مقاتل من حزب الله، تقوم المملكة العربية السعودية وقطر، المعاديتين لتدخل إيران على الساحة الإقليمية، بدعم ميليشيات مختلفة، أغلبها من "الجهاديين"، بالمال والسلاح. كما قدم أردوغان التركي التسهيلات للميليشيات لكي تتدرب على أراضي بلاده وللتسلل إلى سوريا عن طريق الحدود الطويلة بين البلدين.

هذا التنافس بين القوى الإقليمية، مع اللعبة المزدوجة أو الثلاثية لكل منها، ومن ورائها القوى الامبريالية التي تدعمها وتديرها، هذه هي أسباب تنامي العصابات المسلحة.

تنامي الميليشيات المسلحة

تدفق الجهاديون على أنواعهم إلى سوريا، من العراق وليبيا وباكستان والدول العربية وحتى من أوروبا. وأهم الميليشيات الموجودة حاليا في سوريا هما الجبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وداعش، وهي المنظمة التي اتخت اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وكانت في البدء الفرع العراقي لتنظيم القاعدة. مع كل الاموال والموارد المقدمة من قبل ممالك النفط والقوى الغربية، لم تواجه هذه الميليشيات صعوبة في تجنيد الشبان من بين المليوني لاجئ القابعين في مخيمات في الأردن ولبنان وتركيا. إذ أن راتبا شهريا بحوالي ال500 أو 700 دولار هو كاف لإخراج أسرة المقاتل من براثن الفقر والجوع.

فاتشرت جماعات جهادية نختلفة على الأراضي السورية. حتى العام 2013، كان الإخوان المسلمون المدعومون من تركيا وقطر، هم المسيطرون على التمرد السوري. ومع فوز الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية في مصر، وحزب النهضة في تونس، تعزز وضع تركيا أمام المملكة العربية السعودية.

لكن خلال صيف عام 2013، تغير الوضع إقليميا وفي سوريا نفسها. في مصر، قام الجيش، مدعوما من المملكة العربية السعودية، بانقلاب خلع فيه الرئيس مرسي عن الحكم، وترأس الجنرال السيسي السلطة. ثم تم وضع جماعة الإخوان المسلمين على لائحة الخارجين عن القانون. ذلك أعطى دعما لموقع المملكة العربية السعودية المعادية لهم على حساب تركيا.

وفي سوريا، فقدت الميليشيا التايعة للإخوان المسلمين من هيمنتها لصالح الميليشيات المتطرفة مثل الفرع السوري لتنظيم القاعدة، جبهة النصرة أو فرعه العراقي، الدولة الإسلامية في العراق والشام. وتعززت قوتها بعد قرار بشار الأسد بإطلاق سراح المئات من الجهاديين السنة المسجونين لاعتقاده بأنهم سوف يتقاتلون مع الجيش السوري الحر وجماعة الإخوان المسلمين.

وفي سبيل إضعاف المتمردين، قام الاسد أيضا بتوسيع مجال الحكم ذاتي للمناطق الكردية في الشمال على الحدود التركية، مع العلم بأن ذلك سيعطي الدعم للميليشيات التابعة لحزب العمال الكردستاني، وهو الحزب القومي الكردي في تركيا، الأمر الذي من شأنه أن يزعج حكومة أردوغان التركي. كان ذلك فرصة للأسد للانتقام من دور تركيا في النزاع الداعم للمعارضة.

وتعززت قوة هذه الجماعات الجهادية عبر تحالفات ومنافسات نختلفة، وكانت تتلقى الدعم بالأسلحة والمعدات العسكرية والأموال من مختلف الجهات. وعلى اختلاف المعارك والانتصارات أو النكسات العسكرية، تغير تركيب هذه الميليشيات وتحالفاتها. كل هذا تم بمباركة من القوى العظمى التي واصلت تدريبها لهذه الجماعات وتسلحيها أيضا.

وهكذا، وعلى مدى عامين، ساعد مستشارون أمريكيون في مخيمات في الأردن وتركيا، على الحدود بين سوريا، المدربين الأردنيين والأتراك على تدريب المرشحين للجهاد ضد الأسد. رسميا، التدريب والدعم كانا للمتمردين المعتدلين من الجيش السوري الحر، ولكننا نعرف أن مجموعة انضمت إلى جبهة النصرة كانت قد تلقت هذا التدريب. كما كشفت الصحافة مؤخرا عن إنشاء جسر جوي بين قطر والغرب لتقديم الأجهزة والذخائر من ليبيا إلى تركيا، ليقوم الجيش السوري الحر بتوزيعها على المقاتلين في الجانب الآخر من الحدود. لكن معظم هذه الأسلحة انتهت في أيدي مقاتلي جبهة النصرة.

هذا وقد جاء مئات المتطوعون من أوروبا أو المغرب بسهولة إلى تركيا ومن هناك مروا بحرية عبر الحدود للانضمام الى الثورة السورية، وهذا بموافقة النظام التركي ومن دون، حتى وقت قريب، أن تعترض القوى الامبريالية عليه.

في نوفمبر 2013، ازداد الصراع السوري تعقيدا بسبب حرب جديدة هذه المرة بين جهاديي جبهة النصرة وداعش.

وتمكن عناصر داعش من السيطرة على الأراضي بأكملها في شرق سوريا. وقد اجتذبت ميليشياتها جزءا كبيرا من المقاتلين الاجانب ومن شحنات الأسلحة. وبعد أن حصنت داعش موقعها في سوريا بمواجهة الأسد، عادت إلى العراق في سبيل زعزعة استقرار الحكومة هناك. ويبدو أن البغدادي، زعيم داعش، كان يغذي لنفسه ولقواته طموحات مختلفة عن تلك التي كان يمليها عليه زعيم تنظيم القاعدة. وهذا ما أدى به إلى الانشقاق عنه.

من تنظيم القاعدة في العراق إلى الدولة الإسلامية

أصبح آلبغدادي في عام 2006 زعيم تنظيم القاعدة في العراق. وكان قد اتخذ منذ ذلك الحين مسافة عن التنظيم الأم إذ أعلن أن منظمته سوف تحمل اسم "الدولة الإسلامية في العراق". وفي عام 2011، فتحت وفاة بن لادن باب الصراع على الخلافة. فالظواهري الذي خلفه رفض ذهاب ميليشيات البغدادي إلى سوريا. لكن الأخير لم يستجب له. وفي أبريل 2013، قرر أن تصبح منظمته "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، داعش. فتبرأ تنظيم القاعدة على الفور من البغدادي. فالاولوية بالنسبة للظواهري لم تعد إقامة شبكة على المستوى العالمي بل التركيز على أماكن تواجد التنظيم.

والفرصة سنحت لليغدادي، أمام تفكك العراق وكره السنة فيه لحكومة بغداد والحرب الأهلية في سوريا، لاقامة معقل سني له على الحدود بين سوريا والعراق.

ولقد استشعر اليغدادي أفضلية في ظروفه، إذ أنه محاط برجال من ذوي الخبرة، ليس فقط من الجهاديين المعتادين، ولكن أيضا من قدماء جيش صدام حسين السابق الذين التحقوا برايته. لم يكن المال مشكلة لديه، إذ حصل تنظيم الدولة الإسلامية على أموال خاصة من قطر والمملكة العربية السعودية الراغبتين بإضعاف الحكومة الموالية لإيران في بغداد. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه سيطر على شبكات التهريب وقام بابتزاز التجار والناس.

كانت انتصارات داعش العسكرية على الجيش العراقي مذهلة حقا. وفي يناير كانون الثاني عام 2014، أحكم آلبغدادي السيطرة على مدينة الفلوجة وفي شهر يونيو على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق والتي يبلغ عدد سكانها الاثنين مليون نسمة. استولى تنظيمه على 500 مليون دولار اخذها من خزائن البنوك، فضلا عن الأسلحة الحديثة الأمريكية الصنع التي تخلى عنها الجيش العراقي. كما انه استولى أيضا على آبار النفط.

كانت نجاحاته مذهلة، وإن لم تصل إلى مستوى البرجين اللذين فجرهما بن لادن، بما فيه الكفاية ليتمكن البغدادي من استغلالها لمصلحته، مستعرضا تفوقه على الحركات الجهادية الاخرى.

و29 حزيران، عشية شهر رمضان، قام اليغدادي بتحويل داعش إلى "الدولة الإسلامية"، موسعا بذلك نطاق طموحاته. كما قام، من مسجد الموصل، بإعلان نفسه خليفة على المسلمين. أي زعيم للعالم الإسلامي، مطالبا بولاء جميع المسلمين له. وأطلق على نفسه تسمية الخليفة إبراهيم. هذا الادعاء هو سخيف بالطبع. لكن هذا الحدث سمح له بفرض نفسه بوجه منافسيه في تنظيم القاعدة الاساسي. فأصبح العلم الأسود الذي يحمل ختم النبي شعار الدولة الاسلامية.

واتخذ في دعاية الدولة الاسلامية مزيجا بين الفوارق التاريخية والخطاب المناهض للإمبريالية وعرض لمشاهد دموية.

وجاء قطع رأسي صحفيين أمريكيين، يرتديان الزي البرتقالي الذي يرتديه سجناء جوانتانامو، والذي تم تصويره ونشره على شبكة الإنترنت، ليصبح علامة تميز هذا التنظيم. وأصبحت الدولة الاسلامية القيادة السياسية للجهاديين من أفغانستان إلى ليبيا والجزائر ومنطقة الساحل. كما جاء رد الفعل الأمريكي، بإنشاء تحالف دولي بهدف تدميره، ليعطي هذا التنظيم قيمة عالمية. وإذ بجماعات جهادية تعلن الدعم والولاء له، مثل الجهاديين الجزائريين الذين استنسخوا أساليب الدولة الاسلامية عن طريق قطع رأس هيرفي غوردل في جبال منطقة القبائل.

الدكتاتورية في الدولة الإسلامية

في سبيل فرض سيطرته في الاماكن التي تمارس فيها السلطة، تستخدم الدولة الإسلامية طرق الترهيب في جميع جوانب الحياة اليومية. فيمنع احتساء الكحول وتدخين التبغ منعا باتا وكذلك الأمر بالنسبة للمناسبات العامة التي تعتبر معارضة للإسلام، إلا إن كانت بهدف تلاوة آيات من القرآن. كما يتوجب على النساء تغطية وجوههن واجسادهن بالنقاب، ولا يمكنهن الخروج ولا التجول إلا أن كانت برفقة الأب أو الأخ أو الزوج. وإذا أدينت احداهن بارتكاب الزنا، وهي الجريمة الأكثر خطورة في نظر الأصوليين الهمجيين، يتم رجمها حتى الموت.

وباسم الشريعة الإسلامية يتم فرض قوانين منافية للمنطق. فتم طرد الذكور من بين أطباء الامراض النسائية من مراكز الولادة والمستشفيات. واللحية باتت إلزامية، وأجبرت مصففي الشعر والحلاقين على إغلاق محالهم.

وفي قمة السخافة والهوس الجنسي، سنوا قانونا يجبر بتغطية... أثداء الأبقار، التي يعتبر مظهرها غير لائق.

في الرقة، المدينة السورية التي تحكمها الدولة الاسلامية منذ عام، تقوم الشرطة الدينية بدوريات لمراقبة الناس. فتأمر تاجرا بإزالة ملصق دعائي يظهر فيه "كفار"، ويأمر زوجا بتغيير نسيج حجاب زوجته باعتباره شفافا جدا. وأحكام المحكمة تطبق فورا، فالمرء المتهم بالقتل يتم صلبه وعرضه في مكان عام.

وأشارت جمعية التضامن العراقية في تقرير بأن عصابات الدولة الاسلامية قامت، في بداية شهر آب، بخطف ثمانية موظفين من بلدية مدينة تكريت. الحادثة بدأت مع رفض عمال الصرف الصحي وجمع القمامة العمل لأنهم لم يحصلوا على رواتبهم منذ شهرين، واحتجوا بسبب انفجار لغم مخفي قاتلا واحد منهم. ولكن الدولة الاسلامية أجبرتهم على العمل دون أجر، وجمعتهم في الحديقة الرئيسية تكريت لتوبيخهم. قام ثمانية عمال بمغادرة التجمع تعبيرا عن غضبهم : فقامت الجماعة الجهادية بتوقيفهم وخطفهم معصوبي العينين إلى مكان مجهول. بعد أكثر من شهر من البحث عنهم، وجدت أسراهم جثثهم الثمانية متحللة، ومخبأة في بئر.

استراتيجية القوى الامبريالية

فاجأت هجمات الجهاديين أوباما، وهو قد بدأ بسحب القوات الامريكية من الشرق الأوسط منذ عام 2011. واستغلت المعارضة العاطفة التي أثارها قطع رأس الصحفيين بسبب وتهجير الأقليات المسيحية لتنتقد ضعف ردة فعله. وأعلن أوباما أخيرا في أوائل أغسطس عن قيام تحالف بهدف قصف مواقع داعش في العراق. فانضمت إلى التحالف البلدان الامبريالية الواحدة تلو الآخرى وكذلك فعل حلفاؤها في منطقة الشرق الأوسط. أما هولاند فكان من بين أوائل المنضمين.

في بادء الأمر، قال أوباما أنه "لم يكن لديه استراتيجية" أمام هجوم الجهادييين. ذلك كان بمثابة اعتراف بأنه فوجئ بالميليشيات الاسلامية التي انقلبت على القادة الغربيين بعد أن قاموا بتشجيع نشوئها. ثم أعلن أوباما من جديد في 8 أغسطس قيام "حملة عنيفة ضد الإرهاب". وعين السلوك الهمجي للجهاديين كهدف. في واقع الأمر هذه الهمجية ليست بالنسبة للقادة الإمبرياليين مشكلتهم الحقيقية. فالخطاب الإنساني عن الديمقراطية وحقوق المرأة والأقليات، المقصود بها كسب قبول الرأي العام بسهولة لسياستهم والتي يقدمونها دائما كوسيلة لتحقيق السلام والديمقراطية والحرية، ولكنها في الحقيقة لم تجلب أي شيء سوى الحرب واستمرارها.

الجهاديون من الدولة الاسلامية هم همجيون بحق، هذا صحيح ، لكنهم لم يخترعوا أي شيء جديد. فإنهم ببساطة يطبيقون بشكل منهجي ما تعلموه من المملكة العربية السعودية التي دربتهم وموتلهم ليكونوا كذلك. فمنها تعلموا التطبيق الصارم للشريعة، من قطع رؤوس البعض إلى الرجم بتهمة الزنا وبتر يد السارق. لكن قادة الدول الامبريالية لم يعترضوا على هذه الممارست الهمجية في المملكة العربية السعودية، ومن بينها أيضا حرم جميع النساء من حقوقهن الأساسية، طالما كانت تلك الدولة حليفا مخلصا لهم.

تمتعت السعودية بالدعم الكامل من الولايات المتحدة على مدى عقود. فما يسمى بالمثل الديمقراطية تتلاشى عندما يتعلق الأمر بتوقيع عقود مع الديكتاتوريات في بلدانهم التي لديها أكبر مكامن للنفط في العالم. وذلك قد تم برهنته حديثا مع توقيع فرنسا في اوائل نوفمبر لعقد بيع أسلحة إلى المملكة العربية السعودية بقيمة ثلاثة مليارات دولار.

لا شك بأن قادة الولايات المتحدة قد اكتسبوا نوعا من الخبرة بعد تجاربهم في أفغانستان والعراق حيث علقت قواتهم مدة طويلة، ناهيك ان تجربتهم التي مضى عليها 40 عاما في فيتنام. لهذا السبب يفضلون الآن تفادي ارسال قوات لهم على الأرض من جديد. ولكنهم يعرفون أيضا جيدا أن القصف لن يهزم الدولة الاسلامية. في الواقع، إن للائتلاف هدف سياسي قبل الاهداف العسكرية، وهو محاولة جمع الحلفاء المحليين لهم، كتركيا وقطر والمملكة العربية السعودية وراء الولايات المتحدة وعلى خط "الآن يجب أن نسير معا جنبا إلى جنب ونتوقف عن دعم الجهاديين".

ولكن حتى ولو قال الجميع "نعم بالطبع" لأوباما، في الواقع لا يزال كل منهم يلعب لعبته الخاصة. الولايات المتحدة تمتعض من الجهاديين بسبب خروجهم عن سيطرتها. لكن لا شيء يؤكد على أن قادة تلك الدول من قطر إلى تركيا والمملكة العربية السعودية قد تخلوا عن فكرة استخدام الجهاديين أو تخلوا عن العلاقات التي تربطهم معهم. وحتى الولايات المتحدة، لا شيء يؤكد أنها قد تخلت نهائيا عنه فكرة استخدام الجهاديين، هؤلاء أوغيرهم، وهي التي كانت قد حاولت طويلا القيام باتفاقية مع حركة طالبان في أفغانستان.

الأكراد في "اللعبة الإقليمية"

الآن، الأكراد هم في الجبهة الامامية لمواجهة الجهاديين. إذ منذ أكثر من شهر، يقوم مقاتلون أكراد من بلدة كوباني في شمال سوريا بالتصدي لهجوم جهاديي الدولة الاسلامية،. هذه الأقلية الاكردية المتشتتة في أربع دول وهي تركيا والعراق وسوريا وايران، تناضل منذ عدة عقود بوجه الظلم وبحقها في الوجود القومي، فكانت دائما تتعرض للقمع من قبل هذه الدول وبالتواطؤ مع القوى الإمبريالية. اما الان، فاهتمام القوى الامبريالية بها ليس من غير سبب.

بطبيعة الحال، لا يمكننا إلا أن نكون متضامنين مع الأكراد الذين يشعرون بأنهم مهددون من قبل الدولة الاسلامية. ولكن المساعدة التي تدعي الإمبريالية بتقديمها لهم ليست لغرض نزيه. إذ رأى قادة الولايات المتحدة في الوضع فرصة لاستخدام الأكراد ضد الجهاديين. كل المساعدات العسكرية هي موضع ترحيب عند شعب تحت الحصار، ولكنا لا نتوقع أن الزعماء الغربيين يمكن أن يعترفوا بحقوق الأكراد التي يطالبون بها منذ قرن وكانت دائما تواجه بالرفض. لا يمكن للأكراد أن يتوقعوا من قادة الدول الإمبريالية، سوى شيئا واحدا فقط: استخدامهم، التلاعب بهم، واستغلالهم لمصالح شخصية.

ويمكن تحقيق التحرر الحقيقي للشعب الكردي، مثلها مثل جميع شعوب المنطقة فقط عبر تحرر الشرق الأوسط بأكمله من سلطة الإمبريالية. ولكن هذا ليس الهدف الذي حددته المنظمات القومية الكردية.

التدخل الإمبريالي الجديد أضاف الفوضى إلى فوضى

الدولة الإسلامية وهولها هما نتيجة 25 عاما من التدخل الإمبريالي في العراق. لقد أنفقت الولايات المتحدة، الدولة الإمبريالية الأكثر نفوذا في العالم، حوالى 800 ملياردولار في تسع سنوات. كل هذا لتدمير بلد بأكمله، وقتل مليون نصف مليون مدني ، وتهجير 3 ملايين شخص في البلاد. إن إعادة الإعمار التي وعدت بها لم تحصل. سبعون بالمئة من السكان ليسوا مزودين بالماء الصالح للشرب، وشبكات الكهرباء لا تزال في حالة سيئة. لا شيء تم إصلاحه. ومن الناحية الصحية، الوضع كارثي: فقد فر ما يقارب 20,000 طبيب من العراق.

نشرت صحيفة "لو موند ديبلوماتيك " تقاريرعن كارثة صحية تسببت بها قنابل وذخائر اليورانيوم التي استخدمها قوات التحالف في عام 1991 وعام 2003. فهذه المادة الكيميائية قد انتشرت وتسربت في التربة والمياه، مما تسبب في تلوث مستدام في الشوارع، الحدائق والحقول وملاعب الأطفال. في عام 2009، نبه الأطباء في مستشفى الفلوجة الأمم المتحدة، إلى أنه من "170 طفل حديثي الولادة، توفي منهم 24٪ في الأسبوع الأول لهم، وكانت نسبة التشوهات الهامة 75٪." ولوحظ ان معدلات السرطان، وسرطان الدم ومعدل وفيات الرضع في الفلوجة أعلى مما كان عليه في هيروشيما وناغازاكي في عام 1945. "

دمرت البلاد وتراجع المجتمع بأسره. في الخمسينيات و الستينيات، حصلت النساء في العراق على أفضل الحقوق في العالم العربي. كان دستور عام 1958 يضمن حقهن في التعلم والطلاق وحضانة أطفالهن. في عام 1977، ما يقارب ال95٪ من الفتيات إلتحقن بالمدارس. وكان 70٪ من الصيادلة و 46٪ من أطباء الأسنان هم من النساء. ولكن خلال العشر سنوات الماضية انخفضت نسبة تعلم الفتيات وتوظيف المرأة، بشكل كبير. اليوم، ما يقرب من 50٪ من السكان هم من الأميين. وقد تم إرجاع العراق إلى الوراء عشرات السنين. وسوريا، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الأهلية، تتبع نفس المسار. هذا هي نتيجة التدخل العسكري الغربي في العراق. ومهما كان الشكل الذي سوف يأخذه التدخل الغربي الجديد، فإنه لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع وإضافة الفوضى إلى الفوضى!

ما هو الافق المنظور؟

بهدف تبرير تدخلهم العسكري أمام الرأي العام، يعتمد قادة الدول الغربية على شعور سائد لدى الجميع وهو الشعور بأننا لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي في وجه الهمجية. طبعا لا، لا يمكننا ولا يجب أن ندعه ينمو. في نفس الوقت لا يمكننا أن نعطي أية مصداقية للقادة الامبرياليين في أي تدخل يقومون به. يقولون أنهم يفعلون ذلك في محاولة لحماية الأرواح، لإحلال السلام، ولكن في نفس الوقت الذي يصرحون بهذه البيانات الترويجية لسياستهم، من يعلم كيف تعمل الدبلوماسية السرية، من تدعم ضد من، وما الخطط سرية التي يضعونها؟ من يدري على أية قوى رجعية سوف يتكؤن بمواجهة قادة الدولة الاسلامية، إلى أن تخرج هذه القوى عن سيطرتهم ليقرروا مرة أخرى القيام بحرب جديدة لن تكون إلا الاستمرارية ل"الحرب ضد الإرهاب" التي بدؤوهها منذ عدة سنوات؟

إن "الحرب ضد الارهاب" غير متناهية، لأن هذه الحرب، المدارة بالحقيقة لمحاولة السيطرة على الشرق الأوسط وثرواته، هي التي تنتج الإرهاب. إنها الإمبريالية ذاتها التي، بتدميرها لبلدان بأكملها وسحقها للشعوب، تقوم بتخريج أجيال لا يرون أي بديل سوى الانضمام إلى صفوف الجماعات الجهادية الداعية لمحاربة المحتل الأجنبي. وإنهم القادة الإمبرياليون أيضا الذين يصنعون ويمولون ويسلحون هذه المجموعات بأمل استخدامها بتأليبها ضد بعضها البعض أو ضد الأنظمة المحلية التي لا تنصاع لأوامرهم. إن هذا ليس مثير للاشمئزاز فقط، لكنه غباء تحول ضدهم أيضا! نعم، انه غباء وقصر نظر، ولكن عندما ندافع على نظام اجتماعي ظالم وكريه، لا يبقى خيار سوى اللجوء إلى تلك الوسائل، مهما كانت النتائج.

من الممكن للضربات الفرنسية والأميركية الجديدة ان توقف تمدد ميليشيا الدولة الاسلامية. ربما أنها سوف تؤمن، ولو مؤقتا على الأقل، حقول النفط، وقد تؤدي الى القبض على البغدادي، أو هم ربما قد قتلوه مسبقا، ولكن سوف ينشأ بغدادي آخر، أكثر عنفا وأقل خضوعا للسيطرة من الحالي. بالنسبة للعراقيين والسوريين من جميع الأديان، وكذلك بالنسبة للأكراد، ستجلب هذه الحرب الجديدة قدرا اضافيا من البربرية.

الهمجية تمتد في الشرق الأوسط وكذلك أيضا في ليبيا والساحل ومناطق أخرى من العالم. لكنها ليست في النهاية سوى نتاج همجية النظام الإمبريالي والطريقة التي يحكم فيها العالم. الرأسمالية نظام متعفن. وهو لا يصمد الا بثمن أزمات وحروب، حروب تصبح أحيانا عالمية.

في حين أن العولمة الرأسمالية تؤدي إلى ترابط لم يسبق له مثيل بين الدول على الصعيدين الاقتصادي والمالي، وفي حين أن وسائل الاتصال والنقل الحديثة جعلت من الحدود بين الدول شوازا من بقايا التاريخ، وإذ بالرأسمالية نفسها تدفع بالمجتمع إلى التحلل والتجزء. إن نظاما لا يسمتر إلا على هذا المنوال هو محكوم بالزوال، ولا بد من الانقلاب عليه.

فكيف يمكننا الخروج من هذا الطريق المسدود، الحافل بالدموية والمآسي، الذي فرضه النظام الراسمالي على شعوب الشرق الأوسط؟ الحل بالتأكيد ليس بالتدخلات العسكرية الغربية. لكننا أيضا لا نعتقد بأن الحل سيكون بالنضال وراء الشعارات القومية، حتى ولو كانت مرتبطة بقومية تقدمية نسبيا مثل الأكراد. كما أن الحل ليس بالاصطفاف وراء أي دين، مثلا وراء إسلام ذات مزايا انسانية على عكس ذلك الذي يريده الجهاديون، ولا بمشروع ديمقراطية برجوازية لا مستقبل لها منذ قرن من الزمن.

إن السياسة الوحيدة التي يمكن أن تفتح آفاقا في الشرق الأوسط، كما في باقي العالم، هي الثورة العالمية لإسقاط نظام الاستبداد الذي يعبث بالعالم بأسره. إلا أن الطبقة العاملة هي وحدها القادرة على تجسيد هذا الافق عبر كفاحها حتى النهاية. ذلك لأنها الطبقة الوحيدة التي ليس لديها رابط بهذا النظام المستبد. ووحدها طبقة عالمية فعليا، وهي الطبقة الوحيدة التي لديها الوسائل لتغيير هذا النظام بشكل جذري، الوحيدة التي يمكنها إعادة تنظيم الاقتصاد بأكمله في العالم على أساس احتياجات الناس الذين يعيشون فيها. إن الطبقة العاملة، البروليتاريا، تشكل قوة كبيرة على الصعيد العالمي، وهي موجودة في جميع البلدان، لا سيما في البلدان الامبريالية.

فإذا قامت الطبقة العاملة في البلدان الأوروبية، على سبيل المثال، بالنضال من جديد بآفاق ثورية، فإن ذلك من شأنه أن يعيد الأمل فورا، ليس فقط هنا، بل لدى المظلومين في العالم باكمله، بما في ذلك الشرق الأوسط. هكذا كان بالفعل صدى نتائج الثورة الروسية في تلك المنطقة في حينها.

بالتأكيد أن الوضع الراهن في الشرق الأوسط صعب جدا وعسير. البروليتاريا في العراق وسوريا متشرذمة وضعيفة، ومسحوقة بعد كل الحروب والدمار الذي لحق بالبلاد. ولكنها موجودة، وقبل كل شيء أنها ليست وحيدة في العالم.

وإن أردنا حصرالحديث على الشرق الأوسط، فهناك في المنطقة قوى عاملة قوية وشابة. وهي عديدة ومركزة في دول مثل إيران ومصر وتركيا وحتى المملكة العربية السعودية، حيث يحوي كل من هذه البلاد على عشرات الملايين من القوى العاملة. يمكن هذه الطبقة العاملة أن تكون الأمل إذا قامت بالكفاح من أجل أهدافها الخاصة. ذلك بدأ بالنضال من أجل الدفاع عن مصالحها الاقتصادية بوجه أرباب العمل، ولكن الأمر سوف يتطلب، وبسرعة، تحديد أهداف سياسية. ذلك يتطلب سريعا الكفاح من أجل قيام سلطة سياسية للعمال. وفي منطقة تتداخل فيها الامور كمنطقة الشرق الاوسط، سوف تحتاج هذه السلطة السياسية إلى توسيع نطاقها بسرعة، على الاقل على مستوى الشرق الاوسط بأكمله.

الثورة البروليتارية هي وحدها القادرة على إخراج المنطقة من الطريق المسدود، والتغلب على الانقسامات الدينية والقومية والإثنية، واسقاط تلك الأنظمة المتناحرة فيما بينها والمتفقة معا في نفس الوقت على سحق الشعوب، وهي وحدها القادرة على وضع حد للهيمنة الإمبريالية ولإنهاء الهمجية ومختلف الأشكال التي تمثلها.

وحدها البروليتاريا بإمكانها القيام بمشروع الثورة الشيوعية والأممية لإنشاء الاتحاد الاشتراكي لدول الشرق الأوسط.

أما بالنسبة لنا هنا في فرنسا، فالمساعدة في تحقيق هذا المشروع تبدأ بالتأكيد على أن التدخل الإمبريالي، سواء أمريكيا كان أم فرنسيا أو غيرهما، لن يكون عونا لشعوب الشرق الأوسط. ويبدأ في عدم إعطاء أية ثقة لكلام أوباما وهولاند، هذان الذئبان اللذان يحاولان انتحال زي الحمل الوديع.

وما يحدث في الشرق الأوسط له تأثيره علينا أيضا بشكل مباشر، إذ رأينا أن العصابات المسلحة التي تعصف هناك تمارس عامل جذب لجزء من الشباب في فرنسا وأوروبا. وقد انضم الى الحرب في سوريا ما يقارب الألف شاب من صغار السن جدا، وهم لا يعرفون جيدا لماذا وضد من هذه الحرب. إن هذا علامة على الضياع الموجود لدى جزء من الشباب بسبب عدم وجود أفق يوفره لهم هذا المجتمع الرأسمالي. هذا يذكرنا أيضا كم من الملح التأكيد أن هناك أفقا آخرا.

ولكن ما يحدث في الشرق الأوسط يعنينا لسبب أساسي أيضا. ذلك أننا نعاني من نفس النظام السائد عالميا. فالهمجية التي ينتجها في تلك البلاد يمكنه انتاجها هنا أيضا. إن الحرب موجودة في داخل أوروبا، في أوكرانيا ودول البلقان تحديدا. وهنا، في كبرى المدن الغربية، حيث تكمن القوة التجارية والصناعية للشركات الرأسمالية الكبيرة المسؤولة عن الخراب في العالم، تقوم هذه الشركات بانتاج عشرات الملايين من العاطلين عن العمل. فالشركات الفرنسية مثل "توتال" وشركة "لافارج" وشركة "تاليس" هي موجودة في بلادنا هنا، وبذلك فإن باستطاعة العمال هنا محاربتها بشكل مباشر للحد من سيطرتها على المجتمع بأكمله.

يجب أن يصبح نضال الطبقة العاملة نضالا عالميا للتمكن من القضاء على هذا النظام الذي يدفع بالعالم ليس فقط نحو الأزمة، ولكن نحو البربريةأيضا. اما العمال الواعون هنا، فعليهم البدء بعدم السماح للحكام الرأسماليين بقيادة حرب جديدة نيابة عنهم. يجب أن يعرف ضحايا الإمبريالية من شعوب الشرق الأوسط أو أي مكان آخر أننا حلفاؤهم وأننا لا ننخدع بمناورات قادتنا.

إن الأمر الوحيد الذي يمكن أن يساعد الإنسانية لبناء مستقبل خال من الحرب والقمع، هو رفع علم الحركة العمالية ورفع علم التضامن بين المستغلين والمضطهدين في العالم، رفع العلم الأممية. هذا هو برنامجنا ورايتنا. كما نرفعه هنا لأننا أيضا متأكدون من أنه سيساعد غيرنا من الشعوب على رفع هذا العلم، بما في ذلك في حالات أكثر دراماتيكية بكثير.

ملحق: قنابل الإمبريالية الموقوتة

1. اتفاقية سايكس بيكو وتقاسم الشرق الأوسط في عشرينيات القرن الماضي

في عام 1916، وقع كل من مارك سايكس باسم بريطانيا، وفرانسوا جورج بيكو باسم فرنسا، على معاهدة في بالغة السرية لتقسيم الإمبراطورية العثمانية... دون أن تتضمن أي مملكة عربية! لم يتم الكشف عن معاهدة "سايكس-بيكو" هذه إلا في العام 1918، وذلك فقط بفضل قيام ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917 والتي جلبت البلاشفة الى السلطة. وقد استنكر البلاشفة الدبلوماسية السرية وأرادوا إعلام الشعوب بما كان يجري وراء ظهورهم.

وتم تعديل هذه المعاهدة في وقت لاحق من قبل الدول المنتصرة. استغرق الأمر عدة سنوات من المفاوضات بين فرنسا وبريطانيا لتقاسم غنائم الإمبراطورية العثمانية، كما اضطرتا على مواجهة السلطة التركية الجديدة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك. استولى الفرنسيون على الأراضي التي تشكل حاليا سوريا ولبنان في حين تولى البريطانيون مناطق فلسطين والأردن والعراق. أما الوعد بإقامة دولة كردية فقد تبخر جراء هذا التقسيم. وإذ بالشعب الكردي، الذي معظمه من المسلمين غير العرب، يجد نفسه من دون دولة، ومقسما في أربع دول: العراق وإيران وتركيا وسوريا، مشكلا في كل منها أقلية.

2. القوى الامبريالية تؤلب الجماعات العرقية والدينية ضد بعضها البعض

وهكذا. ومنذ عام 1917، قام ممثل بريطانيا اللورد بلفور، بتشجيع الحركة الصهيونية الأوروبية لإنشاء وطن قومي إستيطاني لليهود في فلسطين. بالنسبة للبريطانيين، كان الأمر بتحفيز قدوم سكان جدد يمكنها الاتكاء عليهم بوجه العرب المحليين. لتذكير، فإن هؤلاء العرب نفسهم كانوا موعودين من قبل بريطانيا بإنشاء دولة لهم أيضا، إلا أن الأخيرة خلفت بوعدها سريعا. على هذه الأرض الموعودة مرتين، قامت الإمبريالية البريطانية بزرع بذور الصراع المستقبلي بين الشعوب بهدف تكريس هيمنتها.

في العشرينيات، قامت الإمبريالية الفرنسية بالمثل في لبنان، مع الفارق بأنه كان هناك مسبقا تنوع طائفي بين السكان لتقوم باستغلاله. في الواقع، من بين مختلف الأديان والأعراق التي تعايشت على حافة البحر الأبيض المتوسط لعدة قرون، كان هناك أقلية مسيحية كثيرة العدد. في أغسطس 1920، قامت فرنسا بإنشاء دولة لبنان عن طريق اقتطاع هذا الجزء الساحلي من الأراضي السورية. هذا ما سمح لفرنسا الاستعمارية بتشكيل دولة مفصلة بشكل أن يكون المسيحيون هم الأغلبية، بنسبة 55٪ من السكان. في هذه المنطقة الصغيرة والمأهولة ب 600000 نسمة، والتي كانت تحوي رسميا 17 طوائفة دينية مختلفة، استندت فرنسا على الطائفة المسيحية الاكثر تعدادا، الموارنة، فقامت بالانحياز إليها على حساب المجتمعات الأخرى، وخاصة المسلمين.فكان للموارنة الأفضبية على مستوى التمثيل السياسي. وقامت فرنسا بتأسيس الدستور اللبناني على أسس طائفية. فعلاوة عن خلقها لهذه الدولة الصغيرة بهدف الاتكاء عليها، جعلت أيضا سكان هذا البلد، من الناحية القانونية، مفرزون على أساس دينهم، وهو ما تم تدوينه على بطاقات الهوية. ففي الانتخابات، تتبق قاعدة التمثيل الطائفي حيث لا يحق لكل شخص أن يصوت ألا لمرشح من طائفته فقط. نتيجة لذلك، أخذت الصراعات السياسية طابعا دينيا. وما زال هذا النظام الفرنسي الصنع ساريا، ذلك رغم أن المسيحيين الموارنة لم يعدوا الغالبية في لبنان.

وبجانب الاستعمار الفرنسي، الذي كان الرابح الأكبر، استفادت البرجوازية اللبنانية المسيحية أيضا من الوجود الفرنسي: فأستغلت الرؤوس الأموال الفرنسية المتدفقة والتي جعلت من بيروت المركز التجاري والمصرفي الرئيسي في المنطقة .

وبعد اقتطاع لبنان من سوريا، قامت فرنسا بتقسيم سوريا إلى خمس مناطق، على أساس طائفي أيضا. وكان الهدف نشوء خلافات بين العلويين، والدروز، والأقليات المسيحية والأكراد. وقامت إدارة عسكرية بتقسيم البلاد الى مناطق ذات قوانين مختلفة. فحاولت فرنسا اللعب على حبل الطوائف عبر إطرائها حينا واهانتها وقمعها عسمريا حينا آخر.